30-09-2022 | 19:42

التّونسي نزار شقرون ينبش في تاريخ التّدوين العربي الملتبس

في رواية الكاتب التونسي نزار شقرون "زول الله في رواية أخت الصفا" (دار مسكيلياني)، تنشغل الشخصيات بحماية الكتب المهمة المهدّدة بالحرق، إعلانًا للحرب على الفكر والثقافة العربيّة. تتمّ حمايتها عبر دفنها، فيما تُترك الكتب التي لا داعي لها. من روايته "دم الثّور" إلى روايته الجديدة هذه، يواصل نزار شقرون مساءلة الفكر العربي. وانطلاقًا من بغداد ورمزيّة المكتبات فيها وعراقة حضارتها، ظلت رسائل مقاومة لـ "جماعة الصفا" التي تكسر السائد مع مفهوم الجماعات، هي التي تضمّ مجموعة من المثقفين الباحثين عن نسيان الموت عبر البحث عن المعنى. تدور الأحداث بين وطنٍ ولجوء، بين مكتبةٍ وسفينةٍ ومدفن، بين شخصيات يجمعها الكتاب والفكر و"حزمة الأوراق". سرديّة على لسان امرأة، هي ثناء الورّاقة، تدوّن قصة "الزول" الشخصية المحوريّة. وتعود بنا إلى السؤال ذاته حول الهوية والمستقبل.
التّونسي نزار شقرون ينبش في تاريخ التّدوين العربي الملتبس
Smaller Bigger

في رواية الكاتب التونسي نزار شقرون "زول الله في رواية أخت الصفا" (دار مسكيلياني)، تنشغل الشخصيات بحماية الكتب المهمة المهدّدة بالحرق، إعلانًا للحرب على الفكر والثقافة العربيّة. تتمّ حمايتها عبر دفنها، فيما تُترك الكتب التي لا داعي لها.


من روايته "دم الثّور" إلى روايته الجديدة هذه، يواصل نزار شقرون مساءلة الفكر العربي. وانطلاقًا من بغداد ورمزيّة المكتبات فيها وعراقة حضارتها، ظلت رسائل مقاومة لـ"جماعة الصفا" التي تكسر السائد مع مفهوم الجماعات، هي التي تضمّ مجموعة من المثقفين الباحثين عن نسيان الموت عبر البحث عن المعنى.

تدور الحوادث بين وطن ولجوء، بين مكتبة وسفينة ومدفن، بين شخصيات يجمعها الكتاب والفكر و"حزمة الأوراق". سرديّة على لسان امرأة، هي ثناء الورّاقة، تدوّن قصة "الزول" الشخصية المحوريّة. وتعود بنا إلى السؤال ذاته حول الهوية والمستقبل.


منح المؤلّف مهمة السّرد إلى ثناء الورّاقة في البداية، ثم سحبها منها وسلّمها إلى طه، شريكها في تحريك الحكايا وإثارة القضايا الفكرية. لكنّ ثناء، هذه الشخصية الشهرزادية، تحمل أكثر من رمزيّة. فلماذا اختار المؤلّف أن تكون روايته على لسان امرأة؟

عن هذا السؤال، أجاب الكاتب نزار شقرون: "تتولّى ثناء (المرأة البغداديّة) السرد، لنسمع الحكاية من وجهة نظرها. إنّها تروي حكايتها وحكاية الزول الشخصيّة المحوريّة أيضًا. تُعيد كتابة نقوشه من جديد، وهي تدّعي نسخها باعتبار حرفتها كورّاقة. ولكن لا يُمكن الجزم بأنّ ما يُنقلُ وينسخُ طيلة حقب طويلة من تاريخ الوراقة العربيّة هو بريء من التغيير، حتّى لا أقول من التّعديل والتحريف بحسب مواضعات زمن النّسخ".


إذًا الرواية تطرح سؤالًا مهمًّا حول ما تلقفناه من معارف عن طريق "الورّاقين". فهل هذا المقصود من الرواية؟ جواب الكاتب يؤكّد حقيقة البحث في ما وصلنا خلال تلك العقود، مع الاعتراف بأنّ هذه المساءلة لا تعني الإدانة المباشرة لعمل "الورّاقين"، وليس نسفًا لما وصلنا من خلالهم، لكنّه دعوة إلى الانتباه إلى أنّ الورّاقين بشر وأبناء زمنهم بكلّ ما يعني ذلك الزمن من إكراهات حول ما هو مجتمعي وسياسي وعقائدي.


الورّاقات
وعن عمل النساء في هذا المجال الإشكاليّ، اعتبر الكاتب أنّ مجتمع الورّاقين ضمّ نساء ورّاقات، لكنّ تاريخنا الثقافي أهملهنّ، مُضيفًا: "أردت أن ألفت الانتباه أيضًا إلى هذا المعطى التاريخي، فإذا كان "الورّاق" مكوّنًا من مكوّنات صناعة ثقافة مرحلة، فإنّ هذا الورّاق ليس مقتصرًا على جنس دون آخر، ولكن للأسف نظرتنا إلى مكوّنات صُنّاع الثقافة، بمن فيهم منتجو "الكتب" (كتّابًا أو نسّاخين أيضًا)، يغلب عليها الطابع الذكوري. لذلك فإن ثناء هي الصوت الغائب للورّاقات عن التاريخ الثقافي الشائع والمستهلك. كما أنّني أردتُ أن أشير إلى أن الزمن الثقافي يتغير من شهرزاد التي تولّت مهمة السرد في "ألف ليلة وليلة" في زمن المشافهة القديم، إلى ثناء التي تكتب ولا تروي، وهي تتّصل بزمن الكتابة الذي له شروطه في إنشاء القول، ومن المشافهة إلى الكتابة نكون إزاء براديغم جديد. ولا ننسى أنّ "ثناء" هي أختُ الصّفا، وهي إشارة إلى سؤال محوري: لماذا اقتصرت جماعة إخوان الصّفا، فيما أُشيع وبلغنا، على الذّكور؟ أليست المرأة معنيّة أيضًا بالسؤال المعرفي؟".



امتداد لكتب التّراث


من يقرأ هذه الرواية، يشعر أنها امتداد لرواية شقرون السابقة "دم الثّور، الباب المفقود من كليلة ودمنة". وقد يجد القارئ أثرًا لهذا الباب فيها. فكيف يُفسّر الكاتب هذا الأمر؟

يُجيب شارحًا: "رحلة البحث موضوع مركزي في كتاباتي، وهو مبثوث حتّى في روايتي" الناقوس والمئذنة"، وخيط هذه الرّحلة يتشكّل بحسب عوالم كل رواية بخصوصية وأسئلة جديدة، لأنني أكتب من دال السّؤال المعرفي، فعالم السّرد متاهي ومحاط بأسئلة متشابكة، ولعل صلة "زول الله" بـ"دم الثّور" تُستمدّ من هذا الخيط أوّلًا، وهي تستفيد أيضًا من التقاط شخصيّة هامشيّة في "دم الثّور" لتحويلها إلى شخصيّة أساسيّة، في صيغة "تناص" على مستوى الشخصية.

ولكن في "زول اللّه" لا شكّ تناصّات أخرى مقصودة، دون أن تحدّ من الاستقلالية السردية للرواية.

في "دم الثّور" مساءلة لفرضية وجود باب مفقود من كتاب كليلة ودمنة مع ما يطرحه ذلك من تشكيك في الحقائق التي بلغتنا، وفي "زول اللّه" المساءلة تحمل أهدافًا أخرى".



بالعودة إلى مجمل أعمال الكاتب، نجد أن ثمة علاقة لافتة تربط نزار شقرون بالعراق. فماذا عنها؟ يجيب الكاتب قائلاً: "العراق ليس مجرّد مكان جغرافي، بل هو علامة لتاريخ ثقافي وحضاري، وقد اهتممت بالعراق منذ سنوات أبحاثي الجامعية. فرسالة الدكتوراه كانت حول "نظريّة الفن العربي" من خلال الفنان العراقي شاكر حسن آل سعيد، وصلتي الشخصية بالفن العراقي والثقافة العراقية كانت دافعًا لتوظيف العراق كمكان في بعض رواياتي، علاوة على أنّني أرى في إحداثيّة "سقوط بغداد" لحظة شبيهة بـ"سقوط غرناطة"، لذلك فالعراق حاضر فيّ على المستوى الوجداني والفكري.

أمّا عن موضوعة حرق المكتبة، فيقول: "شغلني كثيرًا موضوع حرق المكتبات، وانهيار "الأنظمة الثقافيّة" في حضارات كثيرة، صحيح أنّ الرواية تدور في جزء من حوادثها في العراق، إلا أنّ المكتبة هنا هي علامة وليست مجرّد دالّ، لذلك فإنقاذ "الكتب" وبالتالي إنقاذ "المعرفة" هو إشارة إلى أن العالم الحديث قادم على تحوّلات جذريّة وليست طارئة، إننا أمام تغيير هذه المرة سينسف الكثير من الثوابت، نظام عالمي جديد أتساءل قبله عن مكاننا فيه؟ نعم، نحن العرب أين سنكون في المستقبل القريب؟ وما الذي سيحلّ بالأجيال القادمة؟ وهل يستطيع النّظام الثقافي العربي الصّمود أمام هذه التغييرات؟ ثمّ ألم يحن الوقت للتسليم بالمنزع الإنساني كي يكون "خيمتنا" المشتركة قبل حلول العاصفة؟ كلّها أسئلة كانت تطاردني ولا تزال، الرواية بحث في هذه الأسئلة وتقليب في معرقلات طرحها أيضًا بفعل هيمنة العقل الارتكاسي على ثقافتنا المعاصرة".



وهنا يحضر سؤال آخر. إذا كان الكاتب هو نفسه شاعرًا، فلماذا يقول على لسان أحد أبطال روايته: "هذا ليس زمن الشّعراء وإنّما زمن السفينة"؟ هل ينفي - بقوله هذا - عن الشّاعر التفكير والعقلانية؟

عن هذا السؤال يجيب: "في الرواية فعلًا يظهر "عارف" شاعرًا باحثًا عن مكان للشّعر في "المدفن" قبل مجيء الطوفان، وهو شاعر حداثي، يؤمن بصلة الشّعر بالفكر ويعبّر عن تيّار الحداثة الشّعرية في العراق وخارجها، إلا أنه يصطدم بقرار شخصيّة "أبو محمد" الذي يرفض دفن الشّعر، بمعنى إنقاذه قبل مجيء الطوفان، ومع ذلك فإنّ "عارف" يتولّى بنفسه حفر المدفن وإعداده! هل كان ذلك هو تسليم بانتهاء زمن الشّعر؟ بلا جدوى الشّعر فلا تتوارثه الأجيال القادمة؟ هذه الوضعيّة تطرح أسئلة على واقع الشّعر العربي اليوم أكثر ممّا تفترض إجابات سريعة، لأنّ الغاية من الرّواية هو عرض الأسئلة وتفكيكها وليس تقديم إجابات، وحتّى إن ظهرت بعض الإجابات فهي غير مطلقة، هي رهينة لملابسات زمنها وإكراهاته. لذلك فسؤال الشّعر حاضر في الرّواية، وإنّي لا أنفي "العقلانيّة" عن الشّاعر، بالعكس طيلة تجربتي الشعرية التي تمتد على أكثر من ثلاثين عامًا كنتُ أنادي بضرورة أن يظلّ الشعر سؤالاً وليس مجرّد متاهة بلاغيّة لوجدان مجروح!".


اللافت في هذه الرواية أنها تبقى من دون نهاية ومن دون راوٍ محدّد، وبعدما كانت الراوية امرأة، فجأة يأخذ طه مهمة سرد الوقائع وتنتهي دون أن نعلم شيئًا عن ثناء. وعن سبب ذلك تحدث الكاتب قائلًا: "الرواية هي سؤال، والسّؤال لا متناهٍ، هناك نهايات واضحة لبعض الشّخصيات ولبعض الحوادث، كالأسئلة الصّغرى التي نجد لها جوابًا، بينما الأسئلة الكبرى تنمو وتتشعّب". ويُضيف: "ليس من أهداف الرواية أن تقدّم نهاية دقيقة، إنّها تقترح على القارئ أن يفكّر في احتمالات ممكنة وتعطيه مؤشرات وعناصر لبناء تلك الاحتمالات".

ثمّ يكمل: "الرواية تقوم على رواية "ثناء"، حتّى وإن ظهر البرنامج السردي تناوبًا بينها وبين "الزول"، لأنّها تعيد "نسخ" نقوشه التي سلّمها إليها، وهي نقوش مكتوبة بخط يده وكتبها في فترات وحالات مختلفة، لذلك اضطرّت ثناء إلى التدخّل عند نسخها وترتيبها وتبيّن ملامح الكلمات، فهي ليست "ناقلة" بريئة، إنّها تورّطت في عمليّة تدوين ما تعتقد أنّه هو الصّواب المحتمل، مثلما أنّ "عصر التدوين العربي" ملتبس بذلك الصنيع الذي قامت به ثناء. إنّ "طه" يأخذ السّرد تبعًا لـ"مشيئة" ثناء، أي أنّها تقدّم "روايته" من زاوية نظرها، وهذا ما قصدته بالعنوان الفرعي للرواية، إنّها سيرة طه بـ"رواية أخت الصّفا"، مثلما كانت سيرة ثقافتنا العربيّة برواية "الرّواة". وأمّا مصير ثناء فهو مفتوح على الاحتمالات أيضًا، إنّها أصبحت لاجئة في بلد أتاح لها حرية أن تكتب، أن تعيش، ولكنها في وضع وجودي مفتوح لأنّها تشعر بأنّ ما يتحرّك في داخلها هو ثمرة غير منتظرة لعلاقة غامضة بينها وبين طه، إنّها في طور الحمل الذي يفتح بداية جديدة لا يُمكن التكهّن بمساراتها أو مآلاتها".

وعما إذا كان يمكن اعتبار الرواية في مكان ما ضمن أدب الرّحلة، يجيب الكاتب: "الرحلة في الرواية ثابت بنيوي، وهي ليست رحلة في الأمكنة فقط، بل هي رحلة في دهاليز الذّات العربيّة بأعطابها وطباعها وهمومها الثقافيّة، وقد تلامس الرواية أدب الرحلة دون أن تتماثل معه، لأنّها تتقاطع مع ذلك النوع الأدبي، إنّ الرحلة في الرواية متلبّسة برحلة المغامرة الوجوديّة التي يعيشها المثقف العربي في بحثه عن "إنسانيّة" جديدة تتعالى عن اللغة والعرق، والثقافات المحلية والقوالب العقائديّة، وفي هذه الرحلة يقف الإنسان على حتميّة التغيير والاستعداد لما يطرأ من زحف اللا متوقّع، هي رحلة في الماضي والحاضر على السّواء، لأنّ الكينونة البشريّة لا تتحقّق إلا في تلك الزمنية المقطوعة بينهما، حيث لا تفتأ تظهر حتّى تغيب".
العلامات الدالة

الأكثر قراءة

العالم العربي 5/3/2026 12:35:00 AM
 أفاد التلفزيون الرسمي السوري بأن "غارات أردنية استهدفت مقراً يحتوي على أسلحة ومخدرات في محافظة السويداء
لبنان 5/2/2026 8:36:00 AM
في الداخل، نسمع بكاء الأم الغارقة في حزنها، تردد بمرارة: "تركتني لوحدي". 
لبنان 5/1/2026 9:31:00 PM
قراءة تحليلية للكاتب في النهار علي حمادة
لبنان 5/2/2026 7:19:00 PM
 انتشار عدد من الصور المسيئة إلى البطريرك الماروني الكاردينال مار بشارة بطرس الراعي، في حملةٍ تتجاوز حدود التعبير عن الرأي