25-02-2023 | 10:51

ما هي المآلات التاريخية لمشروع محمد أركون النقدي؟

يتبوأ محمد أركون مكانة متميزة في الفكر النقدي العربي المعاصر. لقد خاض معركة مزدوجة على جبهتين، جبهة نقد العقل الإسلامي المنغلق، وفي الوقت نفسه جبهة نقد العقل الغربي، بغية بلورة الأدوات اللازمة لتشكيل عقلانية منفتحة. وإذا كان أركون قد ركّز على احترام المسلّمات الضمنية أو القواعد الإبستمولوجية التي تصوغ بنيوياً مختلف الخطابات والعقائد البشرية، إلا أن عقلانيته النقدية لم تكن لتروق السلطات القائمة في العالمين العربي والاسلامي، ولم تكن لتروق كذلك دعاة الاسلاموفوبيا في الغرب، في حين لا تزال أفكاره ودراساته الأكاديمية بحاجة إلى معرفة معمقة، وبخاصة في ما يتعلق بالاسلام ومكانة الظاهرة الدينية في مجتمعاتنا المعاصرة. في هذا السياق يندرج كتاب محمد أركون "التشكيل الانساني للإسلام" الصادر عن "دارالساقي" (ترجمة هاشم صالح، 2022). فالكتاب الذي هو في الأصل مجموعة حوارات شائقة أجريت مع المفكر ونشرت بعد رحيله في عام 2010،
ما هي المآلات التاريخية لمشروع محمد أركون النقدي؟
Smaller Bigger

يتبوأ محمد أركون مكانة متميزة في الفكر النقدي العربي المعاصر. لقد خاض معركة مزدوجة على جبهتين، جبهة نقد العقل الإسلامي المنغلق، وفي الوقت نفسه جبهة نقد العقل الغربي، بغية بلورة الأدوات اللازمة لتشكيل عقلانية منفتحة. وإذا كان أركون قد ركّز على احترام المسلّمات الضمنية أو القواعد الإبستمولوجية التي تصوغ بنيوياً مختلف الخطابات والعقائد البشرية، إلا أن عقلانيته النقدية لم تكن لتروق السلطات القائمة في العالمين العربي والاسلامي، ولم تكن لتروق كذلك دعاة الاسلاموفوبيا في الغرب، في حين لا تزال أفكاره ودراساته الأكاديمية بحاجة إلى معرفة معمقة، وبخاصة في ما يتعلق بالإسلام ومكانة الظاهرة الدينية في مجتمعاتنا المعاصرة.

 

في هذا السياق يندرج كتاب محمد أركون "التشكيل الإنساني للإسلام" الصادر عن "دار الساقي" (ترجمة هاشم صالح، 2022). فالكتاب الذي هو في الأصل مجموعة حوارات شائقة أجريت مع المفكر ونشرت بعد رحيله في عام 2010، بالاتفاق مع زوجته السيدة ثريا يعقوبي التي رافقته في أبحاثه ودراساته، يشكل إضاءات غير معروفة عن سيرته الذاتية ويقدم مختلف المفاهيم الفكرية التي بلورها أركون، كما يكشف عن مختلف الأبحاث الكبرى التي تغذّى منها واستفاد.

 
 

يتبين من خلال سرد أركون لسيرته الذاتية معاناته مع العقل المتحجر وعدم الاعتراف بالآخر والمختلف، فقد نشأ في الجزائر في كنف أسرة فقيرة من البربر، يذكر أنه دعي لإلقاء محاضرة في قريته عندما كان طالباً، فما كان من عمدة القرية إلا أن هجم عليه ونبهه بأنه من "الموالي التابعين" لا يحق له الكلام من دون أذنه وذكّر الحاضرين بوضعه الاجتماعي المتدني، وبانتمائه إلى أسفل القرية. كما يذكر أنه كلما ألقى محاضرة في الجزائر أو في المغرب أو في تونس، كان يخاف من ردود الفعل السلبية في كل مرة يلفظ فيها كلمة البربر. في المقابل يقول أركون إن والده الذي كان يملك حانوتاً صغيراً كان يتعامل مع تجار يهود، وقد عبّر أكثر من مرة "عن امتنانه لهؤلاء وإعجابه بسلوكهم الإنساني تجاه جزائري فقير يستحق المساعدة".

 

لعل في هذه الأمثلة وسواها ما أسس لرؤية أركون العقلانية - النقدية المنفتحة على الآخر والتي تقبل بالتميّز والاختلاف. ولهذا، كما يقول، سافر إلى فرنسا من أجل الاستفادة من إرثها الليبرالي، وإحداث قطيعة مع المعرفة التي عفّى عليها الزمن والتي تلقاها في جامعة الجزائر.

 

وفي فرنسا وجامعة السوربون وجد نفسه منخرطاً في عالم بأسره من الأبحاث الإبتكارية التي غيّرت رؤيته للعرب والإسلام. وتعرّف إلى فكر ميشال فوكو، فأيقن أن المقاربة الأكثر منهجية والأكثر إبستمولوجية هي التي تتيح فهم الفكر الإسلامي جيداً، وعند هذا المفكر بالذات وجد أحد المتغيّرات الأكثر أهمية في تطوره الفكري، وبعد أن تعرّف إلى فكر فوكو أصبح يمارسه بطريقة أكثر عمقاً في كتابة تاريخ الأفكار في ما يخص الإسلام.

 
 

في ضوء مقاربة فوكو هذه رأى أركون أننا منذ عشرين سنة نشهد نوعاً من الانغلاق العقلي ورفضاً للثورات الفكرية الابداعية الخلاقة. وبهذه المقاربة بالذات وبها وحدها، في رأي أركون، يمكن أن نزحزح الإسلام عن قاعدته التقليدية أو قاعدة يقينياته المطلقة. فالاحتكاك بالعصر اللاتيني لا الإغريقي فات على الإسلام ولم يهضم من قبل الثقافة العربية الإسلامية، في حين أن ما حصل في أوروبا كان معاكساً لذلك، فالعقل في اوروبا لم يشهد لحظات التراجع الكلي على الضد مما حصل في عالم الإسلام الذي عرف نزعة إنسانية للثقافة العربية في الفترة الأولى من تاريخ الاسلام أو ما دعي بـ "العصر الذهبي"، ثم رحنا نعاني من التحنط الفكري والحضاري منذ القرن الرابع عشر.

 

وبعد انتهاء هذا العصر وموت الفلسفة، وعندما كانت أوروبا تنفتح فكرياً كنا نحن ننغلق. هكذا انتقلنا من إبستميه العصر الذهبي إلى إبستميه عصر الانحطاط ، أي الإبستميه السكولائي المدرساني التكراري الاجتراري، ونتج عمن ذلك كل هذه الكوارث التي نشهدها اليوم مع هيمنة الاصولية السلفية على الشارع والعقول.

 

إن العمل التأصيلي في المرحلة الكلاسيكية كان يمتلك بعداً فكرياً وإبداعياً حقيقياً. لكنّ هذا الجهد الفكري الابتكاري اختفى نهائياً، فانتصر التصور الايديولوجي الأسطوري للإسلام، وتولد عن ذلك كل تلك الحركات المتزمة، مع كل تلك النتائج المؤذية المشؤومة.

 
 

النقد الأركوني لمآلات الحضارة الغربية لا يقلّ قسوة عن نقده لمآلات الفكر والحضارة في العالم الاسلامي، فبعد انبهاره بالديناميكية الحضارية لأوروبا وروحها الابتكارية الخلاقة، لم يلبث أن أعرب عن تدهور رؤيته للثورة الفرنسية التي تم الإلتفاف عليها ونقضها والعمل عكسها من خلال التاريخ الفعلي لفرنسا، وهاله ما نجم عنها من عنف دموي وإرهاب أعمى، فضلاً عن أن النظام الاستعماري كان بخيلاً على الشعوب المستعمرة، وكان يزدريها ويكره تحررها ونهوضها على الضد مما نادت به الثورة من شعارات الحرية والإخاء والمساواة.

 

ثمة خلاصات واستنتاجات نخرج بها من قراءة الكتاب الذي يمكن اعتباره مراجعة غنية وشاملة للمشروع النقدي الذي عمل عليه أركون ما يقرب من نصف قرن، وإذا كان الكتاب لا يشكل بأطروحاته ومنظوراته إضافة كبيرة وجديدة إلى المشروع الأركوني، إلا أن أهميته تبقى في تناول هذا المشروع على نحو شمولي يبدو من خلاله المنحى الايديولوجي الذي تجلى في مؤلفات أركون كلها وتطورها في الاتجاه النقدي ذاته، كما في تسليطه الضوء على سيرة أركون الشخصية والثقافية التي أسست لفكره النقدي، من معاناته مع العقل الإقصائي بدءاً من محيطه القبلي، إلى الدولة الوطنية وخطابها القوموي، إلى الغرب ونظرته الاستعلائية، ما يساهم في قراءة حية وانسانية لافكاره الاكاديمية وكيفية تشكّلها التاريخي.

 

لكنّ الإشكال الأساسي الذي واجه المشروع النقدي الأركوني والذي لم يأخذ حيزاً جدياً من اهتماماته يكمن في رأينا في عدم أخذه بالاعتبار المآلات السياسية والاجتماعية والتاريخية للمجتمعات العربية، ومعاناتها مع الصهيونية والفقر والأمية والاستبداد كما تدل التقارير العربية والدولية، ما حدا بالإنسان العربي إلى التشبث بأصوله التراثية التقليدية بدل إحداث القطيعة معها.

 

فكيف سيعمد هذا الإنسان الى القطع مع تراثه وتاريخه فيما هو يواجه تهديد الوجود والذات وفيما هو يرى ملاذه الوحيد في مسلماته الدينية والايديولوجية وثقافته التراثية؟

وبينما كان أركون يمضي في مشروعه لأرخنة الإسلام كانت الجماهير العربية تسير في الاتجاه المعاكس، وقد سألته قبيل رحيله: ألا ترى أن المشاريع الإسلاموية قادرة على الوصول الى الجماهير العربية أكثر من مشروعك النقدي؟ فأطرق وهز برأسه وأجابني: بكل أسف نعم. 

 

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية