22-02-2022 | 22:40

ندى الحاج في رحلة كونية نحو المطلق

في ذكراه الثامنة، عاد أنسي الحاج بصوره وقصائده وذكرياته ليملأ صفحات أحبّته، شعراء وكتّاب ومثقفين، وقد أجمعوا أنّ الغياب لم يزده إلاّ حضورًا. في هذه المناسبة، لن نستعيد أنسي بتجربته الشعرية الهائلة، بل نتوقّف عند تجربة ابنته، الشاعرة ندى الحاج، من خلال أحدث إصداراتها "عابر الدهشة" (دار المتوسط).
ندى الحاج في رحلة كونية نحو المطلق
Smaller Bigger

 

في ذكراه الثامنة، عاد أنسي الحاج بصوره وقصائده وذكرياته ليملأ صفحات أحبّته، شعراء وكتّاب ومثقفين، وقد أجمعوا أنّ الغياب لم يزده إلاّ حضورًا.

في هذه المناسبة، لن نستعيد أنسي بتجربته الشعرية الهائلة، بل نتوقّف عند تجربة ابنته، الشاعرة ندى الحاج، من خلال أحدث إصداراتها "عابر الدهشة" (دار المتوسط).

هالة الأب/ الشاعر لم تُثنِ ندى عن كتابة الشعر، هي التي استقت منه قيم الحرية، والتفرّد واحترام المسافات. أوليس أُنسي هو من قال مرّةً "أنا لنفسي وحبيبتي لنفسها... نحن متّحدان مثل قمر"؟

ندى، شابهت أبيها شعرًا، وخالفته أسلوبًا. منذ البداية، رسمت لنفسها مسارًا خاصًا يموج بين الفرديّ والكونيّ/ الذاتيّ والروحانيّ. وحين تقرأ ديوانها "عابر الدهشة"، تعود بك الذاكرة الى دواوينها السابقة، بدءًا من "صلاة في الريح" إلى "المطر الأزرق"، لتكتشف أنّ كلّ ما كتبته كان تمهيدًا لهذا الديوان.

 

الأجواء الصوفية هنا لم تعد ميزةً تُغلّف بعض القصائد، بل غدت جوهر الشعر وركيزته. وقد شكّل العنوان الرئيس "عابر الدهشة" عتبةً ملائمة لدخول الديوان وفهم عوالمه، علمًا أنّ العبور والدهشة هما مصطلحان أصيلان في طبيعة التجربة الصوفية وممارساتها العرفانية أيضًا.

وإذا تأملناه أكثر، قد يمنحنا العنوان مفاتيح الديوان كلّه. "عابر" مفردةٌ تُذكّرنا بواحدة من ثوابت الصوفية: الانتقال. وهي بهذا المعنى تدلّ على الانتقال أو السفر الروحي من العالم المادي المحدود نحو العالم المجرّد المطلق. وفي القصائد أيضًا، تتكرّر "مفردة" العبور مراراً كقولها: "هو يتلمّس قلبي، إن خلا من أي أثر/ تركه ذاك الصوت الذي عبَر.../ حين تلتقط يدك رصيفًا عابرًا/ وتمسح دمعة عابرة/ وتلوذ بحب عابر...". (من قصيدة إبحار، ص44).

أمّا "الدهشة" فهي مبدأ أساسي عند الفلاسفة، وتُوازي كلمة "اليقظة" عند الصوفيين. هكذا تعدنا صاحبة "مطر أزرق"، بدءًا من العنوان، بأن تسوقنا معها في رحلةٍ كونية مقصدها "التيّقظ".

 

نفسٌ صوفيّ

 

الحبّ، الطبيعة، السكون... ثلاثة موضوعات أساسية تتكوّن منها قصائد "عابر الدهشة"، وتترجمها في اختيارات شعرية تُزيّن بها بعض قصائدها لشعراء ومتصوفين مثل جلال الدين الرومي، ابن عربي، النفري، أنسي الحاج، رينيه شار، وغيرهم...

وفي قصيدتها الافتتاحية، تعبّر الشاعرة، بحرفية عالية، عن مُناخ الديوان وثيماته، وأوّلها "الحب" باعتباره سرًّا من أسرار الوجود الإنسانيّ: "كياني مؤتمن على الحب قبل أن أولد، ومن قبل أن أتكوّن في الحشا/ أحب الحب فوق الحياة وما بعدها" (ص 7).

الحب عند ندى الحاج هو منبع القصائد ومُلهمها. وهذا إن دلّ فعلى ماهية لوعي الصوفي عند الشاعرة، لأنّ التصوف، كالفنِّ، لا وجود له بغير العاطفة الجامحة، على ما يقول أبو العلا عفيفي في كتابه عن الصوفية.

 

إذًا، تبدو الشاعرة في حالة عشق، أو لنقل في بحثٍ متواصل عن الحب الحقيقيّ ببعده الصوفيّ الروحانيّ. هذا الحب المطلق الذي يوصل صاحبه الى حدّ التماهي مع محبوبه. وفي قصيدة "انتفض"، تعبّر عن حالة الحب هذه بعبارةٍ جميلة وموحية: "فيك الروح، ومنك العشق، ولك كل الحب". (ص53).

لكنّ الحبّ عند الحاج غير منفصل البتّة عن الطبيعة. واللافت أنّ الطبيعة هنا لا تمثّل إكسسوارًا شعريًا لغرض التزيين اللغوي، بل هو الأرضية التي شُيّدت عليها القصائد، إن في معناها أو مبناها.

وبسلاسةٍ متناهية، تُلغي الشاعرة كلّ الفواصل الممكنة بين الإنسان والكون، كأنْ تُخاطب الريح، تنحت وجهها في الماء، تسمع آهات البراكين، بما يذكرنا بالحلولية أو "وحدة الوجود": "ارقص على رمش الهواء، وعانق السماء" (ص20)، "أيتها الريح المشعة/ (...) تعالي إلى سكينتي، واركني فيها/ احضنيني حتى أسقي التراب بملء قلبي" (ص36)، "يا من تنحتُ وجهي في الماء/ وتطبعه في النار، وتُذريه في الهواء" (ص49).

وهي إذ ترتمي بين أحضان الطبيعة، فإنها تتوق الى ولادةٍ جديدةٍ، كأنما تربط المسألة الشعرية بالميتافيزيقية: "تروق لي الكلمات الذائبة في المغيب/ ونسيجها يضحك في الفضاء/ يرد عليها خفقان الأحرف المتمايلة في الضحى/ كلمة، كلمة، وتتكون حياة، بيتها على قمة الفرح/ حرف حرف، وتحيا الروح في ارتعاشة الأفق/ سلام في دفق الموج/ يتراشق ويلفني/ وأولدُ عنبرًا من غصن يلوي".... ولعلّ العودة الى الطبيعة ليست سوى عودة الى الجذر والأصل والصفاء. وفي هذه العودة، تُقفل الدائرة لتنتهي الرحلة من حيث بدأت: النقطة.

وهذا الشكل الدائري يحكم قصائد "عابر الدهشة" منذ بدايتها وحتى نهايتها، بل انه يتجلى في صورة الغلاف وهي عبارة عن دائرة أشبه بعين، مع نقطة في الوسط. ولا تبتعد النقطة هنا عن معناها الصوفي العام، والتي يُرمز بها الى الإنسان باعتباره مركزًا للكون.

وإذا تأملنا قصائد الحاج، نجد حضورًا قويًا لصور "الطفولة"، بكل ما تحمله من معاني البراءة والإشراق والنقاء. ففي رحلة الارتقاء، تغدو الروح أصغر وأخفّ، كما في قصيدة "ما من كلمة" مثلاً، الطبيعة هي العائلة والشاعرة هي الطفلة: "يا سماء روحي، كوني لي الأم والأب" (ص18).

 

 

ولأنّ التأمّل يستدعي السكون، فإنّ القصائد، بمعظمها، تحمل مديحًا للصمت. والأكيد أنّ الصمت ليس بمعنى الثبات والخمول، لأنّ الديوان كلّه ينزع صوب الحركة والصعود والارتقاء. وإنما الصمت المُراد هنا هو امتداد لعلوّ روحيّ- أخلاقي يأبى الثرثرة والابتذال. "في الصمت عرفان" (ص68)، "ترى الذهب السابح في البحيرة الصامتة" (ص78)، "الصمت فوق مدارات الليل يضيء الآفاق، وينزوي" (ص81).

 

ندى الحاج في هذا الديوان هي أكثر نضجًا، وتجليّاً، واكتمالاً. أمّا النَفَس الصوفيّ الذي رافق كتاباتها السابقة، فإنّه صار نمطًا، ان لم نقل هويّةً ثابتة في شعرها. إذاً، "عابر الدهشة" ليس مجرّد ديوان شعريّ، وإنما دعوة صريحة الى الاستبطان والتأمّل في الطبيعة بحثًا عن "الحقيقة"، وتعبيرًا عن الذات الكونية "المتمددة حتى أطراف الكون".

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية