19-09-2021 | 04:41

"قدري"... نصّ للكاتب حسين عبد الرحيم

​ أنا شيطان ولست ملاكًا... أقولها في نفسي بلا صوت وبعين دامعة يا ربي، ولكنها زينب... وزمني الماضي في البراري، بريق العنب وحقول الجوافة حقيقة الحلم والجمال والخفة والغنج والطفولة والسلوى تمشي على قدمين، بخفة تمشي على ضلوعي، تمشي، تدوس قلبي، تنفذ لحشاي، متجاهلة ملامحي وأنا الراشق بعينيي من خلف فروع السيسبان، أبغي مغادرة الارض، أكلم الله في رحلتي، جسدي يخف، دافئًا، بعزم وقوة بعداد السنين الفائتة من عمري، بلا حصاد إلا الطلل في بيوت العرب، من أوله لآخره، ثكنات الهيئة، هالة جيهان، قصة "الكاريه"، خطوة الرومنتيك، في الصباح، بعد الغروب، في طولون؟!
"قدري"... نصّ للكاتب حسين عبد الرحيم
Smaller Bigger

 

 أنا شيطان ولست ملاكًا...

أقولها في نفسي بلا صوت وبعين دامعة

 يا ربي،

 ولكنها زينب... وزمني الماضي في البراري، بريق العنب وحقول الجوافة

 حقيقة الحلم والجمال والخفة والغنج والطفولة والسلوى تمشي على قدمين، بخفة تمشي على ضلوعي، تمشي، تدوس قلبي، تنفذ لحشاي، متجاهلة ملامحي وأنا الراشق بعيني من خلف فروع السيسبان، أبغي مغادرة الأرض، أكلم الله في رحلتي، جسدي يخف، دافئًا، بعزم وقوة بعداد السنين الفائتة من عمري، بلا حصاد إلا الطلل في بيوت العرب، من أوله لآخره، ثكنات الهيئة، هالة جيهان، قصة "الكاريه"، خطوة الرومنتيك، في الصباح، بعد الغروب، في طولون؟!

هي هنا والآن،

 زينب،

جيهان؟!

وأنا أسبح في ملكوت الجمال، السكينة، الصمت، الخرس، زغب زينب الأصفر يبرق تحت شفتها السفلى، حول جنائن الإبط، ترفع ذراعها اليمنى لتسوي شعرها.

هجرت أرض البيت في أول الإفرنج، خفت أن تراني، صارت معلقة بشفاف القلب، طلتها، ملامحها، جسدها، حضور لا يغيب، في عنقي، تدلت كقلادة من الماس، في عنقي، فصوص خضراء، نبيذية، من ياشب... قلب الفتى الغريب أخضر، أردت التحليق، نظرت السماء في الصباح، في أول العرب، في محمد علي، في أحمد ماهر، في التلاتيني، داخل الكنيسة، بمسجد العباسي.

 وجدتني وقد صعدت، أفارق أرض البازلت، أنظر البشر من عل، أخيرًا، نظرتني زينب، صرخت في وله:  

- خذني معك.

 روبها البرتقالي شفّ عن جسد ملائكي، تكوينات لحمية مثيرة، طازجة، شهية، مستحبة مجرمة، محرمة، ملائكية... أمسكت بساقي، فارقت أرض الندى، جسدي دافئ أصعد لأعلى، أحلق، أنظر السماء السابعة، أبحث عن ربي، في أعلى عليين، أرتحل.. تتقازم البيوت من تحتي، تتعاظم جرأتي، أنفاسي، رأيت السماء من تحتي، تجلت في تكوينات هلامية، سمعت الهاتف في سطوع الضياء، قال اقترب، إنها بيوت الله في أراض أخرى، عالية، بيضاء، بلا شمس حارقة، دون بشر، بلا فقراء وجوعى، فضاءات تشبه صفاء القلوب الرحيمة التي قابلتني في الرحلة الطويلة، نفذت لنهر السماء، رأيت سككًا للرحيل، للذوبان، للتلاشي، للسفر، للفراق، لتوديع الوجود، حتمية العدم، وبدايات الخلق، ذهاب الأحبة...

سمعت من يهتف بي في رهبة يأمرني:

- إصعد.

فإذا ولجت لنفذت واعتليت واخترقت، وإذا دنوت لاحترقت؟

دعكت عيني لأراني آتياً من البعيد، في زمنٍ ما لا أعلمه، يجرني رجل أسمر ينادونه أبي ويصرخون عليه، مرة بالحبشي، مرات بالصومالي، أسود غطيس، عينه زرقاء، تبرق في ليلي الدائم. جرّني معه، قلت له:

لا علم لي بالزمان، ولا المكان، لا أعي المواقيت، أجهل تاريخي... تكرر النداء،

صومالي، يا حبشي،

- أنت قدري وأنا كذلك

قدرك...

قلت بعيني محبوس الصوت إلا من دمع وتوهه.

قدري؟!

(وأين قدري..)

 يا حسين؟!

سمعت من يناديني من البعيد اللامرئي، من زمنٍ ما آخر لا أجهله..

أخي...

 صار قيده أدنى معصمي، بقوة عصبه، بعصابية المنطوق من الكلم. تجلت الملامح، تشبهني. قوة مفرطة تقبض على يدي بكفي، لا تفارق ذراعي، تقيّد رسغي، تدهس أصابعي التي صارت ترتجف... في نهاية ديسمبر لم أنتبه للنداء،

 من بعيد.

 كان طارق العجيزي يجري خلفي، ينظرني في دهشة، في رعب، في ريبة، ناداني فلم أجب، تجاهلت السمع.

قال لي:

معلم تعلب يبلغك بالعودة لتشاركنا الفطور.

 

***

 

خرجت من جربين المعلم ضاحي فجرًا، أحمل بطانيتي الرمادية المهترئة، أتوجه الى فرش البطيخ. رآني العم كامل شاهين من بعيد، ناداني،

 قال:

أحضر لك العشاء يا صومالي:

 قلت في كدر وجهامة:

شكرًا عم كامل تعيش.

كدرًا مرهقًا، نظرتُهُ في أدب، نظرني في شفقة، سألني

- تنام؟

 قلت نعم.

 بدا المطر خفيفًا في أول العرب، تمددت، ارتديت طاقية صوفية شراقي فوق رأسي، كبستها في دماغي، تخطت أذنيّ، شعرت بدفء، تمددت... أتى عم كامل وبيده بطانية ثانية، رماها فوق جسدي المفرود على قش الأرز، بين أكوام البطيخ المكومة على شكل هرمي، صنعت مرقدي، بطول مترين، تحسست جنبي الأيسر الذي صار يؤلمني على غير العادة، في العتمة، نهضت من جديد.

أشعل سيجارة، نظرت السماء الكابية، ركام السحب تلج فضاءات الغمام، تمددت على جانبي الأيمن، رحت في نوم عميق، ورأيتني سائرًا على جسر ترابي طويل، بلا نهاية. الجسر ممتلئ بالحصى، مشيت أرفل في بدلة كاوبوي.

ببطءٍ أنتعل حذاءً بنيًا قديمًا، أتطلع من اليمين الى اليسار، رأيتُ الديار، منازل بالطوب الأحمر، قفرًا، دخانًا يخرج من بيوت مهجورة، الطريق يمتد، نظرت أسفل الجسر، رأيت قناطر جافة، نهر طويل... زراعات، أشجار السرو والعبل تطول السماء، بزع النور في بصري، نظرت بيتًا جديدًا قديم الطراز.

 سألت نفسي في الطريق،

 -أين أنت الآن؟!

 أتمدّد كالميت، أروح في بقاع مجهولة، في حلم متكرر، تتجدد مفردات الحلم، الجسر نفسه، يطول، وأنا السائر بلا اكتراث، لا أنوي على شيء ما بعينه، الوقت مغارب، البيوت ساكنة وأنا أدقق النظر، أتفحص البيوت المهجورة في أسى، أسأل نفسي متأرجح الذاكرة ما بين ماضٍ بعيد وآني ملتبس.

أين رأيت تلك المنازل، هل سكنت هذه البيوت...

أتأمّل قناطر، قنوات مائية تخرج من تحت الجسر ترمي بالماء أسفل ربوة تمتد بمحاذاة الجسر، طالت خطاي، أتطلع الى البيوت والقفر والبلد الغريب... دقائق وبان على يمين الطريق وبمحاذاة أشجار السرو، سرادق كبير، يقف أمامه بعض ضباط الشرطة برداء أسود أحاول الدنو والهبوط تاركًا الجسر المرتفع لأنسل بمحاذاته مدققًا النظر بتلصص في السرادق الطويل بمقاعده الخالية إلا من بعض العسكر والضباط. أتطلع في الواجهة فأرى ثلاث رايات خضراء وشعارًا ملكيًّا، وعبارات مسطورة بمدخل السرادق.

 المغفور له حسين الصومالي الحبشي  24 يناير 1952.

نظرتني وجوه عدة لضباط بفئات عمرية مختلفة، كنت أنظر رجلًا بعينه جالسًا منزويًا على يسار مدخل السرادق، كان يتبعني، يرقبني، يتتبع خطاي وهو القعيد الجالس على كرسي متحرك مرتديًا عباءة من الجوخ بجسد نحيل، يلف رأسه بعمة تطوق رأسه المفلطحة، دخلت السرادق فلم يعترضني أحد، بدا صوت الصراخ يخترق أذني وأضيئت أنوار فجأة بطول البراري، بامتداد الممشي الترابي المحاذي للجسر الطويل، الصراخ يصل عنان السماء وأنا خائف، أسأل نفسي بلا جواب،

في أي زمن ما أمشي وأرى،

 ولمن هذه الوجوه ؟!!

يكاد صوتي أن يخرج بالصراخ لاستبيان مكاني، هذا الزمن الممتد بتكوينات غرائبية في البيوت والوجوه والطرز المعمارية، أشتم رائحة قمائن طوب في البعيد، أسأل عن دليل يرشدني الى طريق يخرجني من هذه المتاهة.

كان الرجل القعيد يشير لي بهمس والضباط في سكون لا ينظرونني، كأنني شخص معروف، مألوف لديهم، أتقدم بحذر وبطء، أنظر في الداخل، في نهاية السرادق كان التابوت مغلقًا وحوله سياج من سلاسل ذهبية وبعض الأنفار يجلسون على المقاعد ينظرون الى التابوت، إلا الرجل القعيد الذي كرّر إشاراته لي بالتقدم نحوه.

عادت أصوات الصراخ من جهات غير معلومة ولكنها قريبة، عدت الى التلصص والتدقيق في ملامح الجالسين. في السرادق كان هناك من يشبه المعلم ضاحي الكبير، يتحرك ويترك المقعد وبيده عصاه الأبنوس، رمى بفص الأفيون تحت ضرسه وقال للساقي:

 - لا تتحرك من هنا حتى أناديك، تابع خدمة المتوافدين حتى تأتي التشريفة، وددت الصراخ أستفسر عن الحاصل:

- لمن هذا التابوت؟

 زحف الظلام فتلونت الدنيا من حولي وسكت الصراخ ورأيت من يناولني كوب ماء، شربته ونظرت الوجوه فلا مجيب، ولا تواصل مع أحد إلا الرجل القعيد الذي ألحّ في طلبي، اقتربتُ دانياً من كرسيه فسألني في ثقة:

- لماذا تأخرت كل هذا الوقت. انتظر حتى يأتي عمك؟!

لم أجد ما أجيب به.

 سألته،

 من أنت؟!

 فقال لي:

- وحدك أنت من البداية، لا تخف، أنت من اخترت الطريق وتركت أباك وعمك، وذهبت لناس البحر.

 زادت دهشتي وبتُّ أرتعش، ترتج ذاكرتي بلا جدوى وبلا فائدة.

 سألته في غضب وقد هاجمتنا تيارات هوائية كاسحة تأتي من غرب السرادق، دققت في ملامحه من جديد متطلعًا الى الجنود والضباط عند مدخل السرادق التي أضاءت فيه مشكاوات ومصابيح تسطع بأضواء مبهرة مع صوت نقيق ضفادع وخرير ماء من جداول أو قناطر قريبة، تأملت الرجل، هززت كتفه النحيل قائلًا:

- من أنت؟

أين أبي؟

 فقالها في عبارة واحدة:

- اخرج من هذه المدينة وعد الى الإسكندرية؟!

سافر يا بني.

إبحث عن أبيك،

رافق تعلب، صاحبه، إسمع له،

هو من يعرف كل شيء.

 اذهب الى النبي دانيال، فمن الممكن أن تكون فرصتك الأخيرة للعثور على أبيك الصومالي!

التفت بغتة، كانت أصوات الصراخ تدوي من جديد من نسوة لا تُرى. إلا أن الصوت أفزعني، أحس برهبة تجتاح جسدي كله، خلا السرداق من المعزين وبقي التابوت كما هو، ألتفت يمنة ويسرةً، وكان الضباط يمتطون خيولًا عفية ويستعدون للرمح فوق الجسر الطويل المرتفع عبر قناطر وجداول مائية ترمي بالماء العذب من تحت الجسر المجاري للبراري المؤدية الى الحقول.

زرعات عنب وتين ورمان أينعت فجأة وضوّت بل سطعت من خلف الكهارب والمشكاوات التي بقيت سارجة وكأنها نازلة من السماء. المكان يسبح في نور وأضواء وأنا أتلمس خطاي منصتًا لهسهسة ووشيش وصوت شيخ يرتل ما بين البراري والقفر، أسفل الجسر الطويل، بكرسي عال مذهب وعمامة حمراء وعباء سوداء، يتلو:

يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه...

فررتُ وتركته دون أدنى اكتراث. كان صوت التلاوة يتعالى في أذني، في عقلي في نفسي وروحي، يهزني، يرج كياني ويخلخل ذاكرتي، لأعاود اجترار ما قاله الرجل القعيد:

 سافر للإسكندرية،

 اذهب للنبي دانيال،

رافق تعلب ابن فاطمة الضاحي، صاحبه، واحترس من عربي الضاحي.

 راقبه في صمت حتى تأمن شره

لعلها الفرصة الأخيرة لملاقاة أبيك والوقوف على مصيره...

***

 

 

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

اقتصاد وأعمال 4/15/2026 2:20:00 PM
تمثّل الاستراتيجية الجديدة "تحوّلًا من مرحلة النمو والتوسع إلى مرحلة تعظيم الأثر الاقتصادي ورفع كفاءة الاستثمارات".
الخليج العربي 4/15/2026 10:00:00 PM
شددت على ضرورة "التزام حكومة جمهورية العراق بوقف ومنع كل الأعمال العدائية الصادرة من أراضيها"...
المشرق-العربي 4/16/2026 10:53:00 AM
تم خلال العملية ضبط ومصادرة أسلحة حربية وذخائر وجعب عسكرية كانت بحوزة أفراد الخلية
شمال إفريقيا 4/16/2026 10:47:00 AM
تصاعد الدور المصري في مفاوضات إيران يطرح احتمال تحوّل القاهرة من وسيط تقليدي إلى شريك فعلي في صياغة التسوية.