الرّوائي الأسير باسم خندقجي بين الوجه والقناع
"قناع بلون السماء" هي الرواية الرابعة للروائي الفلسطيني الأسير باسم خندقجي (دار الآداب) بعد "مسك الكفاية" 2014، "نرجس العزلة" 2017، و"خسوف بدر الدين" 2018. وهي الأولى من رباعية روائية يزمع إصدارها بعنوان "رباعية المرايا". على أن المفارق في هذه الروايات الصادرة تباعاً عن أسير فلسطيني محكوم بالسجن المؤبد، هو أن أياً منها لا يتناول تجربة الكاتب السجنية، وأنها لا تنتمي إلى أدب السجون العربي؛ فتدور الأولى حول السبيّة اليمنية المقاء بنت عطاء بن سبأ التي تحوّلت إلى الجارية الخيزران، زوجة الخليفة العباسي المهدي وأم ولديه موسى الهادي وهارون الرشيد، والدور الخطير الذي لعبته في تاريخ الدولة العباسية.
وتطرح الثانية أسئلة الذات والجماعة في واقع فلسطيني تعتوره أعطاب سياسية واجتماعية. وتتمحور الثالثة حول الصوفي بدر الدين محمود، المترجّح بين التمرد على السلطة والغرق في وحولها، وقطبيّته الصوفية في العصر المملوكي. وأمّا الرابعة فهي موضوع هذه القراءة.
الوجه والقناع
تشكّل ثنائية الوجه / القناع الثنائية المحورية في رواية "قناع بلون السماء"، وتندرج تحتها مجموعة من الثنائيات الفرعية، الزمنية والمكانية والبشرية، يتحرك بينها مكوك السرد لينسج المشهد الروائي العام؛ من قبيل: التاريخ / الحاضر، القدس / رام الله، السجن / المخيم، القدس المعاصرة / تل مجدو التاريخي، قبر شمشون / مقام الشيخ سامت، معهد أولبرايت / كيبوتس مشمار هعيمق، الاحتلال / المقاومة، الأب / الأم، الأب / الابن، نور الشهدي / أور شابيرا، نور الحر / مراد الأسير، الدليل السياحي نور / المرشد السياحي مرسي الغرناطي، بطرس / مريم المجدلية، الفلسطينية سماء إسماعيل / الإسرائيلية أيالا شرعابي، الأشكيناز / اليهود الشرقيين، وغيرها. على أن العلاقات بين أطراف الثنائيات المختلفة تتراوح بين الضدية في بعضها الأول، والتعادلية في بعضها الثاني، والتكاملية في بعضها الثالث. والمساحات المخصصة لها تختلف من ثنائية إلى أخرى، ولا تنحصر في الحيّز الورقي نفسه. وبذلك، نكون أمام شبكة من التحركات المكوكية، ذات الاتجاهات المختلفة، تمليها مقتضيات الخطاب الفنية، ويتمخّض عنها النسيج الروائي.

حصار ومواجهة
تتمحور الحوادث في "قناع بلون السماء" حول شخصية الشاب الثلاثيني، ابن مخيم رام الله نور مهدي الشهدي، الذي يُعتقَل أبوه قبل ولادته، وتموت أمه إثر ولادته، فيجتمع عليه اليتم المبكّر واللجوء وصمت الأب وأسر الصديق وغربة المخيم ولون بشرته الأشقر الذي يجعله موضع تنمّر صبية المخيم فيصفونه بالأشكينازي.
ويكون عليه، في مواجهة هذا الحصار المتعدد الأطراف، أن يقرر أخذ الأمور بيده، وخلق أمه وأبيه وذاته، واستعادة هويته، وحرق قناعه الأشقر. فيلجأ إلى آليات مقاومة مختلفة، من قبيل: قراءة الكتب، ودراسة التاريخ والآثار، والعمل دليلاً سياحياً، وكتابة بحث تاريخي عن مريم المجدلية، في محاولة منه لاستعادتها من المصادرة الاستشراقية التي قام بها دان براون في روايته "شيفرة دافنشي"، حتى إذا ما وجد أن المادة الأولية لا تكفي لكتابة بحث، يقرّر كتابة رواية يستثمر فيها تلك المادة، ويضيف إليها دراسة المكان التاريخي الذي عاشت فيه المجدلية، وهو مكان تسيطر عليه قوات الاحتلال، الأمر الذي تحول دونه عقبات كثيرة تأتي في طليعتها هويته الفلسطينية.
بطاقة هويّة
غير أن عثوره المفاجئ على بطاقة هوية، باسم أور شابيرا، في جيب معطف مستعمل اشتراه من سوق العاديات في يافا، يشكّل نقطة تحوّل في مجرى الحوادث، فتسوّل له نفسه التفكير في التخلّي عن وجهه الحقيقي والتقنّع بقناع مزيف وانتحال شخصية أخرى لتحقيق هدفه الملح في كتابة الرواية.
هكذا، تشكّل هذه الواقعة البداية الفعلية للحوادث، ويكون على الشخصية المحورية أن تخضع لتجاذبات حادة بين الوجه والقناع، بين نور وأور، بين فلسطين وإسرائيل، بين أيالا شرعابي وسماء إسماعيل. ويكون عليها أن تعيش مساراً صراعياً بين الأصلي والمزيف، يؤول في نهاية المطاف إلى مصير محدد.
وفي غمرة الصراع بين الوجه الفلسطيني والقناع الإسرائيلي في الرواية، وداخل الشخصية الواحدة، تقوم حوارات ومشاكسات بينهما، يطفو فيها الخلاف على السطح غالباً، ويطفو التفهّم وحاجة كل منهما للآخر أحياناً، ما يعبّر عن نزعة إنسانوية تشي بشبهة التطبيع بين الشخصين، في صلب الرواية، لكننا ما إن نصل إلى نهايتها حتى تزول هذه الشبهة. ويتمخض الصراع بتمظهراته المختلفة عن تظهير الشخصيتين الفلسطينية والإسرائيلية في الرواية.
الشّخصية الفلسطينيّة
تتمظهر الشخصية الفلسطينية في "قناع بلون السماء" في شخصية نور المحورية وعدد من الشخصيات الأخرى المتعالقة معها، والأدوار التي تنهض به هي تلك التاريخية التي ارتبطت بالفلسطيني في مقاومته الاحتلال، وتتراوح بين اللاجئ المقيم في المخيم، والأسير في المعتقل، وأم الأسير، والشيخ المقدسي، والطالبة الجامعية العربية المجاهرة بهويتها. وجميعها شخصيات مقاومة، بشكل أو بآخر؛ فنور الشاب الثلاثيني اللاجئ في مخيم رام الله يمارس مقاومة ثقافية من خلال سعيه إلى كتابة رواية عن مريم المجدلية يعيد لها هويتها الفلسطينية التي حاول الاستشراق نزعها عنها، وهو لا يتوانى عن استخدام الوسائل المتاحة، المشروعة وغير المشروعة، لتحقيق هدفه، بدءاً من البحث العلمي، مروراً بالاستعانة بالأصدقاء وتزوير المستندات وانتحال الشخصية وارتداء الأقنعة، وصولاً إلى التنقيب الأثري ومعاينة المكان التاريخي، ما يمكّنه من تحقيق هدفه في نهاية المطاف.
وبذلك، نكون أمام شخصية صلبة، مناورة، مداورة، الغاية عندها تبرّر الوسيلة. ومراد الأسير في سجن نفحة يقاوم بمتابعة الدراسة من داخل السجن، والاهتمام بالكتّاب الشباب، ودعوة صديقه نور إلى الاشتباك المباشر مع الموضوعات الساخنة التي تعرّي الاحتلال، وتشكيله نوعاً من "حائط مبكى" نفسي، من حيث لا يعلم، بقيام نور بتسجيل رسائل صوتية موجّهة إليه يفضي فيها بهواجسه ولواعجه، فيتحرر بذلك من الشعور بالذنب جرّاء اضطراره إلى التقنّع بأقنعة المحتل. وأم عدلي المرأة السبعينية تقاوم بالمثابرة على زيارة ابنها مراد في سجنه شهرياً وتجشّمها عناء الانتقال بالباص مدة تسع ساعات ذهاباً وإياباً في كل زيارة. والشيخ مرسي الغرناطي يقاوم بصموده في حي السلسلة المقدسي وتقديم الدعم اللوجستي لنور وتأمين فرصة عمل له.
والفتاة اليافاوية سماء إسماعيل تقاوم بالمجاهرة بهويتها العربية رغم حملها الجنسية الإسرائيلية، وبإطلاع المنقبين الأجانب على الحقيقة التاريخية التي عمل المحتل على تزويرها، وبالتأثير على نور حتى يسارع إلى استعادة وجهه الحقيقي وتمزيق قناعه المزيّف.
أمّا الدور المقاوم بالمعنى المباشر فلا نقع على شخصية محددة تقوم به في الرواية، ويقتصر على قيام أحد التنظيمات العسكرية بإطلاق الصواريخ في نهاية الرواية. وعليه، تغلب الإيجابية على الأدوار المسندة للشخصية الفلسطينية، وتتناسب مع الصورة النمطية لهذه الشخصية في الرواية العربية، باعتبارها شخصية مقاومة، صامدة، تسعى إلى تصحيح التاريخ وتحرير الجغرافيا.
الشخصيّة الإسرائيليّة
تتمظهر الشخصية الإسرائيلية في "قناع بلون السماء" في شخصية أور شابيرا المنتحَلة وشخصيات أخرى، وتتراوح الأدوار التي تقوم بها بين الإدارية والعسكرية والاستيطانية والتحريضية؛ فأور شابيرا يلعب دور القناع لنور والقرين الذي يتجاذب معه شخصية واحدة، في إحالة روائية ذكية إلى أن الإسرائيلي ينازع الفلسطيني في أرضه، ويمارس الاستعلاء عليه، ويشعره بحاجته إليه، ويعرّض برغبته الجنسية المكبوتة في فتاة يهودية تشاركه التنقيب تعريضاً مشوباً بالعنصرية، ويمنّنه بمساعدته في التخفّي. وناتان خودروفسكي يقوم بدور أمني من خلال عمله ضابط أمن المستوطنة، فيدقق في هويات الداخلين إليه والخارجين منه. وأيالا شرعابي طالبة جامعية يهودية شرقية تتحدر من أصول سورية، ومع هذا تكره العرب وتحقد عليهم، وتحرّض على زميلتها الفلسطينية سماء إسماعيل وتشكك في ولائها، ولا تتورّع عن محاولة الاشتباك معها. وهكذا، تتسم الأدوار المسندة للشخصية الإسرائيلية بالسلبية، ولا تتناقض مع الصورة النمطية لهذه الشخصية في الرواية العربية باعتبارها مصدراً للتحريض والعدوان واغتصاب الحقوق وتزوير الوقائع التاريخية.
الخطاب الرّوائي
في "قناع بلون السماء"، يستخدم قندقجي ثلاثة أسلاك سردية تنتظم الحوادث وتتناغم في ما بينها، ولكل سلك طوله ودوره ووظيفته وزمانه ومكانه وشخوصه؛ فالسلك الأول ينتظم الوقائع المذكورة أعلاه، وهو الأطول في الرواية، تمتد حوادثه بضع سنوات وتنتهي في عام 2021، وتجري بين رام الله ويافا والقدس ومرج بني عامر، ويتولّى روايته راوٍ عليم، وتكمن وظيفته في تصوير الواقع الفلسطيني الراهن.
والسلك الثاني الذي يليه في الطول يتعلّق بالرواية المزمع كتابتها والتصورات والسيناريوات المقترحة لها، ويتخذ شكل بطاقات صوتية يومية، يبلغ عددها ستاً وعشرين بطاقة، تجري حوادثه في القرن الأول الميلادي في منطقة تل مجدو المحاذية لمرج بني عامر، وتنخرط فيها شخصيات تاريخية، ويتولّى رواية حوادثه راوٍ شريك، وتكمن وظيفته في تأكيد تاريخية فلسطين في مواجهة محاولات المصادرة الاستشراقية والتشويه الصهيوني. أمّا السلك الثالث فيتفرّع من هذا الأخير، ويتعلّق برسائل صوتية مسجّلة يوجّهها بطل الرواية نور إلى صديقه المعتقل مراد بصيغتي المتكلّم / المخاطب، ويقوم بوظيفة نفسية تزيح عن كاهل البطل الشعور بالذنب الذي يثقله وتعيد إليه توازنه المفقود. والرواية هي نتاج التناغم بين الأسلاك الثلاثة المختلفة، ما يجعلها تتسم بالحركية والتنوّع، على مختلف الصعد، ويجعل قراءتها موضع فائدة واستمتاع.
نبض