17-08-2022 | 12:55

التجربة الشعرية... بين الإبداع والمعاناة

على كثرة ما أُريق من حبرٍ على الإبداع وتجلياته، منذ أقدم العصور، لا تزال هذه الظاهرة تستدرّ المزيد من الحبر، فالفنون والآداب والعلوم الإنسانية ليس ثمة قولٌ فصل وكلمة نهائية فيها، وتبقى مفتوحة على البحث والدرس، ولا يسري عليها مرور الزمن. ولعلّ آخر المُراق، في هذا السياق، كتاب "معاناة الإبداع في التجربة الشعرية" للباحثة الأكاديمية فطيم دناور (عن النادي الأدبي الثقافي في الطائف ومؤسّسة الانتشار العربي في بيروت).
التجربة الشعرية... بين الإبداع والمعاناة
Smaller Bigger
رغم كثرة ما أُريق من حبرٍ على دراسة الإبداع وتجلياته، منذ أقدم العصور، مازالت، وستظلّ، هذه الظاهرة تستدرّ المزيد من الحبر.
 
ليس ثمة قولٌ فصل وكلمة نهائية في الفنون والآداب والعلوم الإنسانية. بل إنها تبقى مفتوحة على البحث والدرس، من دون أن يسري عليها مرور الزمن. 
 
 
ولعلّ آخر المُراق، في هذا السياق، كتاب "معاناة الإبداع في التجربة الشعرية" للباحثة الأكاديمية فطيم دناور (عن النادي الأدبي الثقافي في الطائف ومؤسّسة الانتشار العربي في بيروت).
الكتاب عبارة عن "دراسة في التجربة الإبداعية ومعاناتها في الشعر خاصة"، على حدّ عنوانه الفرعي وتفرّعاته المتنية. وفيه ترصد الكاتبة التجربة الشعرية العربية في عناصرها ومراحلها وآثارها، وتُفرد لكلٍّ من هذه المكوّنات فصله المستقلّ في الكتاب.
 
وهي تجمع في دراستها بين النظري والتطبيقي، فتتكئ على مقولات من النقد القديم والحديث تتعلّق بالظاهرة المدروسة، على المستوى النظري، وتتلمّس تمظهراتها في الشعر، على المستوى التطبيقي، وتستثمر مهارتها البحثية ودراستها الجمالية وذوقها الفني، في الاتّكاء والتلمّس، وتخرج بكتاب تتعدّد وظائفه وتتراوح بين المعرفي والتربوي والجمالي.
 
 
مدخل مناسب
في مقدمة الكتاب، تُحدّد الدارسة نوعه وحقل عمله وأهدافه وهيكليته ومحتواه والمناهج المستخدمة في الدراسة من دون أن تنسى التعريج على بعض الكتب والمقالات التي تناولت الظاهرة الإبداعية.
والمفارق، في هذا السياق، أن الكتب التي تشير إليها الكاتبة لا تتعدّى الخمسة، وأن المقالات تقتصر على ثلاثة مقالات فقط، وهو عدد قليل مقارنة بما أُريق من حبر في الظاهرة الإبداعية وتجلّياتها.
أمّا في التمهيد فتقوم بتفكيك المصطلحات الواردة في عتبة العنوان (معاناة، إبداع، تجربة)، وتقدّم عرضاً تاريخياًّ موجزاً لمصطلح الشعر، منذ القديم حتى الحديث، مشفوعاً بآراء النقاد القدامى والمحدثين، ما يشكّل مدخلاً مناسباً إلى موضوع الدراسة بماهيّتة وكيفيته وآثاره.

عناصر التجربة
في ماهية التجربة الإبداعية الشعرية، تحدّد دناور عناصر التجربة. فالفصل الأول من كتابها عنوانه: الأفكار، العاطفة، الخيال، الذاكرة، والموسيقى.
وفيه تتوقف عند كل منها بالتعريف والتحليل والتمثيل استناداً إلى آراء عربية وغربية، وترصد تعالقاتها في ما بينها وأهمية كل منها ودوره في العملية الشعرية، وتخلص إلى نتائج محدّدة، تتعلق بماهية كل عنصر وصفاته وأنواعه ووظائفه ممّا يلي ذكره.

- فالأفكار هي الأساس الذي تقوم عليه القصيدة ويشترط النقاد أن تكون عاطفية، مشاعية، شعرية، صحيحة، عميقة ومتنوعة، لكي تؤتي ثمارها.

- والعاطفة هي الأساس الآخر الذي تقوم عليه القصيدة، فالشاعر "إنما سُمّي شاعراً لأنه يشعر من معاني القول وإصابة الوصف بما لا يشعر به غيره"، كما تنقل الدارسة عن قدامة بن جعفر. ولكي تفعل العاطفة فعلها في القصيدة ينبغي أن تكون صادقة، قوية، صحيحة، ثابتة، شاملة وسامية.

- والخيال هو "القوة الخلاقة التي تمكّن الشاعر من الدخول إلى عالم الفكر والشعور"، على حدّ تعبير الدارسة (ص 53)، ما يشي بعلاقة تكاملية بين العناصر الثلاثة، وينبغي أن يكون حسّياًّ وخرافياًّ في آن، ويتنوّع بين الابتكاري والتفسيري والتأليفي.

- والذاكرة لا تنفصل عن الخيال، و"الشاعر يمتاز عن غيره بقدرة ذاكرته على تنظيم محتوياتها، وتفاعله معها، بحيث يتولّد من العناصر المخزونة مخرجات طريفة"، كما تشير الدارسة، وهي لا تكتفي بتخزين الصور بل تتعدى ذلك إلى الحفظ والتنظيم والابتكار، ولعل هذا ما يميز ذاكرة الشاعر عن غيره.

- والموسيقى "أصل الفنون وأمّها"، على حدّ تعبير الدارسة، (ص 72). تلعب دورها المحوري في القصيدة بتفاعلها مع العناصر الأخرى. مصدرها النفس، وعناصرها الإيقاع والوزن والقافية، ووظائفها التنظيم والتعبيد والتثبيت والتنغيم والحيوية والمثالية.

وعلى أهمية كل من هذه العناصر التي تشكّل ماهية التجربة الإبداعية منفردة، فإنها تبقى مجرّد مواد أوّلية تكتسب أهميتها الفعلية من خلال انخراطها الجماعي في العملية الشعرية وتفاعلها في ما بينها بمقادير محدّدة تتمخّض عنها القصيدة. والمعوّل عليه في هذه العملية هو براعة الشاعر وقدرته على التوليف والتحويل والهضم والتمثيل بما يؤدي إلى طبخة

شعرية لذيذة ومفيدة، أي ما يمكن تسميته بكيفية توظيف عناصر التجربة واستثمارها شعرياً.
 
 

مراحل التجربة
في الفصل الثاني من كتابها، تستنتج دناور، من خلال مجموعة من النصوص الغربية والعربية، أن التجربة الشعرية تمر بأربع مراحل هي: مرحلة الاختمار، مرحلة التهيؤ الموسيقي، مرحلة الإلهام ومرحلة التنفيذ. وتقوم بتحديد آلية اشتغال كل مرحلة مشفوعة بأمثلة شعرية مناسبة. ونستنتج معها أن العمل الإبداعي لا يكون ابن ساعته بل هو نتيجة تفاعل الأفكار في اللاوعي واختمارها لفترات طويلة في الأنا الشاعرة، وهو ما يشكّل المرحلة الأولى من مراحل التجربة. تليها المرحلة الثانية، مرحلة التهيؤ الموسيقي، وهو "حالة التنغيم التي تسيطر على الشاعر قبل ظهور الفكرة أو أثناء ذلك الظهور" (ص 91)، وتقوم بتفسير هذه الحالة مستندة إلى شهادات شعراء عاشوها.
على أن الاستجابة إلى هذه الحالة وطريقة التفاعل معها تختلف من شاعر إلى آخر، وقد تصدر عن الشاعر خلالها تصرفات خارجة عن المألوف؛ فتنسب الدارسة إلى شيللر قوله: "... أشعر بإيقاع، ثم برقص، ثم بجنون ليس فيه كلمات" (ص 91).
 
وتنقل عن نيتشه قوله: "تلمع الفكرة فجأة كالبرق ويكون لمعانها محتوماً لا رادّ له، ولا حيلة فيه، وعندها أشعر بنشوة عظيمة وبتوتّر عصبي شديد يخفّف منهما أحياناً انسياب الدموع من عيني" (ص 92).
ثم تقتبس من خليل مردم بك قوله: "... أشعر أول الأمر بحال غير الحال المعتاد، ويتطور شعوري بالأشياء ونظري إليها وفقاً لهذه الحال الطارئة، فيزداد استحساني للحسن، واهتزازي للمطرب، وتأثر بالشجي" (ص 93)، على سبيل المثل لا الحصر.

المرحلة الثالثة هي مرحلة الإلهام، وتستنتج الدارسة من بعض النصوص أنه "فيض فجائي، يأتي من مصدر لا شعوري، يرد على الملهم في غفلة من الفكر" (ص 94)، وتشفع استنتاجها بشهادات الشعراء. على أنه لا مكان محدّد لورود الإلهام، "فقد يأتي هذا الوارد بين الناس، وفي الوحدة، وفي العمل، وفي المضجع، لا يكاد يسابقه شيء يماثله أو يستدعيه"، تبعاً لشهادة صلاح عبد الصبور (ص 96). ولا تفوتها الإشارة إلى أن القدرة على تلقّي الإلهام تتفاوت من شاعر إلى آخر.

وإذا كانت المراحل الثلاث تنتمي إلى ما قبل العمل، فإن المرحلة الرابعة والأخيرة هي مرحلة الانخراط في العمل؛ وفيها يقوم الشاعر بملء الفراغ الذي يُحدثه تقطّع الإلهام، ويتناوب العمل والوحي على نسج القماشة الشعرية. والعمل على نوعين، كما تنقل دناور عن النقاد العرب، بطيء وسريع. يتسم الأوّل بالروية، ويطغى على الثاني الارتجال. والأوّل هو المعوّل عليه في اجتراح النصوص الخالدة.
وهو ما يذهب إليه ديلاكروا بقوله: "يلوح أن المواهب التي يجري إعدادها في بطء شديد وخلال آلام أشد، تنتهي إلى مصير من حياة أطول في قوّتها وفي اتساع رحابها" (ص 108).
وللشعراء طقوسهم المختلفة في هذه المرحلة، وقد يبلغ بعضهم عتبة الغرابة والشذوذ؛ فأبو نؤاس يعكف على معاقرة الشراب، وشيللر يشمُّ تفاحاً فاسداً مخبّأً تحت غطاء درج في مكتبه، وأودن يغرق في شرب الشاي، على سبيل المثل لا الحصر.
وثمة من يدخن ويحتسي القهوة ويرقص. وتبقى الخلوة موضع إجماع الشعراء والنقاد في استدعاء الشعر.
 
 
 
آثار التجربة
هذه الماهيات والكيفيات تتمخّض عن تجربة إبداعية تترك آثارها في النص والمبدع والمتلقي، على حدٍّ سواء.
وهو ما تتناوله الدارسة في الفصل الثالث والأخير من الكتاب. أمّا النص فتتمظهر الآثار في العلاقة بين الشكل والمضمون أو العلاقة بين اللفظ والمعنى وتفضيل أحدهما على الآخر، وفي وحدة النص العضوية، وفي ترجّحه بين الوضوح والغموض والإبهام.
 
وغنيٌّ عن التعبير أن الدراسة تخلص إلى القول بعدم الفصل بين الشكل والمضمون وبالوحدة العضوية وبالغموض الفني. وأمّا المبدع فتنعكس آثار التجربة في ضرورة توخي الصدق الفني وامتلاك الخصوصية والتفرّد في التعبير والعمق والشمولية.
 
وأمّا المتلقي فتؤكد الدراسة على حضوره في ذهن المبدع مباشرة أو مداورة خلال عملية الإبداع وملحقاتها، وعلى شراكته في إنتاج المعنى، وعلى السعي إلى الاستحواذ عليه بسخاء المبدع في روي تفاصيل التجربة، بما يحقق فاعلية التلقي ويوثّق عرى الشراكة بين المبدع والمتلقي.

وعليه، يشكل كتاب "معاناة الإبداع في التجربة الشعرية" تجربة جميلة في مقاربة مثلث العملية الإبداعية بزواياه الثلاث: النص، المبدع والمتلقي. ولن يعود هذا الأخير من خوض هذه التجربة بالندم بل بالفائدة والمتعة.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية