أحمد عبد اللطيف: أكتب كأنني ألعب مع العالم
يُمثّل "سفر دانيال" أهمية خاصة في حياة المؤمنين في العهد القديم، فهو ليس سجّلًا لحياة دانيال النبي ولا تاريخًا لحقبة من تاريخ بني إسرائيل أثناء السبي البابليّ، بل كتاب سماوي يُقدمه روح الله القدوس ليبعث الرجاء في النفوس الجريحة. وهو إن كان يسمح أحيانًا أن نُلقى في أتون التجارب، لكنه يُغير طبيعة النيران لأجل راحة الإنسان وسلامته.
من ناحية، يكشف هذا السفر أن الخالق هو ضابط التاريخ كله، ومن ناحية أخرى يكشف أن الله يتمجد في القلة القليلة جدًا المُخلصة، هو سندهم في تقديس حياتهم، وهو سور نارٍ يحميهم، والمُدبر لخلاصهم.
في رواية "عصور دانيال في مدينة الخيوط" (دار العين)، يبحث الروائي عبد اللطيف عن الخلاص الكلي لشخوصه، في مدينة الدمى كانت بدايات الإكتشاف لهذا العالم الخرائبي. بشرٌ يتحوّلون إلى دمى وعيون مغلقة على إتساعها.
ففي الثالث عشر من شهر شباط/ فبراير فتحت الدمى بيدٍ خشبية نوافذ غرفها وأبواب شرفاتها لتشاهد بعيونٍ زجاجية عشرات الجثث الملقاة حول نافورة الميدان الرئيس بدم يطفو على ماء المطر وعيون مفتوحة على العدم.
منذ إفتتاحية السارد لعتبات الرواية (ص13)، بدت الشوارع خالية من أية دلالات تشير إلى أن هذه المدينة كانت في يوم ما تعرف العيش الآمن أو المستساغ، عن جرح إبراهيم النازف في مدينة الدمى، تلك المدينة التي يفيق السارد على فجائعها الكثيرة.
ومنها مثلاً الإعتداء الجنسي المرير على إبراهيم من طرف معلمه في المرحلة الإبتدائية وهو الشيخ الأزهري المعمم، إلى قتل الشيخ في عرض الطريق أسفل إطارات عربة نقلٍ قادها زميل الدراسة إبراهيم الذي يصمت بحثًا عن نهاية لعذاباتٍ يتشارك في جنى ثمارها الدموية دانيال وظله، أو قرينه المتماهي مع الأحداث بحكم علاقة الجيرة والزمالة مع رفيق حياته ودربة إبراهيم.

البعد الوجوديّ
اللافت في رواية "عصور دانيال في مدينة الخيوط" هو الانشغال بالوجوديّ والذاتيّ وفكرة الخواء في مدينة الدمى. فما هي دوافع كتابة هذه الرواية التي جمعت بين آلام البشر وفساد المجتمع وتشوه الحياة؟ عن هذا السؤال، يجيب الروائي أحمد عبد اللطيف: "لا أعرف ما اللحظة التي أبدأ فيها كتابة عمل، أو حتى متى تأتيني الفكرة. كل شيء يأتي من ذكرى ما، من تأمل، من صورة، وأحيانًا من عبارة عابرة يقولها أحدهم دون وعي فتفتح لي أفقًا بعيدًا عن العبارة وعن الواقع. والرواية هذه تولّدت من ذكرى قديمة، من النبش في الطفولة التي نسيتها لسنوات طويلة قبل أن تعود إليّ فجأة وتستحوذ على خيالي. من هذه الذكرى/ الذكرى المزيفة، انطلقت خطوط الرواية الأولى. حينها لاحظت التباس الواقعي بالخيالي، ملء الثغرات بذكريات أخرى، ثم تشككت أنا نفسي في حدوث ما حدث، سواء في الذكرى أو في استدعائها. لذلك، فالانشغال بالذاتي هنا أكبر مما هو في رواياتي السابقة، وفكرة الخواء توسعت في الخارج كلما كنت أتعمق في الداخل. في سرد الرواية التي تقع في 276 صفحة من القطع المتوسط، هناك الكثير من امتزاج الديني بالفلسفي بالسياسي بالمجتمعي بالمعيشي والحياتي أيضاً، على أرضيات من العزلة والخوف والعبث والوحدة. ما يرسم معالم حيوات منتظرة تتأرجح ما بين العقل والجنون والخروج عن المألوف وتلك الرؤي المحفزة لإعمال العقل والبصيرة قبل البصر وبعد الانتهاء من القراءة.
وهذا ما يميّز كتابات عبد اللطيف الذي قدّم عددًا من الروايات مثل: "صانع المفاتيح" و"عالم المندل" و"إلياس حصن التراب"، "حكاية عائلة موريسكية"، "كتاب النحّات"، "سيقان تعرف وحدها مواعيد الخروج"، ومجموعته الأثيرة "مملكة مارك زوكربيرغ وطيوره الخرافية".

عالم توراتيّ
في روايته الجديدة، ثمّة عالم توراتي يتناصّ مع قصة النبي دانيال، ولغة جديدة تتأرجح بين الثقل والخفة والفانتازيا والسخرية. فإلى أي مدى كان الكتاب المقدس ملهمًا للكاتب عبد اللطيف وكيف ربط بين قصة بطله وقصة نبيّ توراتيّ من أجل طرح أسئلة الوجود والعدم؟ يُجيب الكاتب: " هناك كمّ من الكتب الأدبية الهائلة في العالم، وأرى أنّ العهد القديم في طليعتها. لديّ دائمًا أسئلة حول بدايات الأشياء: بدايات الكون، بدايات الحب، بدايات النهايات. وأظن أنه لا يمكن فهم الشيء بدون فهم بدايته وكيف نشأ. لذلك، أعتبر نفسي من عشاق العهد القديم، وفيه أجد إلهامًا قد يتجاوز الكتب الأخرى. مع ذلك، فالتقاطع بين بطلي وبين شخصية النبي دانيال حدث بالصدفة. بعد كتابة نحو نصف الرواية، خطر لي أن أعيد قراءة "سفر دانيال"، واكتشفت أنني في شكل غير واعٍ أتقاطع معه في بعض الحكايات. ليست الحكايات المباشرة والسطحية، وإنما الكامنة في العمق. هذا التقاطع الذي حدث بالصدفة جعلني أغير استراتيجية كتابة العمل، وساعدني في تشكيل صيغته النهائية، وبالتالي التصدير بآية من سفر دانيال. في أجواء الرواية تشتم بل تنفرط الدماء بلا هوادة وكذلك تظهر المدينة وتختفي في محاولات تهشيم تلك البنى والتي تتكشف كأوهام ومحض أقواس قزح في ليل سرمدي تلح على القارئ للتماهي والمشاركة في تلك المسخرة أو تراجيكوميديا المدينة التي لا يظهر فيها إلا إسم واحد أو ثلاث لمناطق سكنية وشوارع ارتبط بها السارد/ الراوي. وهذا لتأكيد رؤيتة عن العزلة والخلاء في مدينة الدمى أو مدينة السحق والعجز والصمت".
هذا الجواب، دفعنا لطرح سؤال آخر على الكاتب: ثمة أصداء ديستوبية وعزلة وخوف لاحظها القارئ، فهل لجائحة كورونا أثر في هذا الفضاء المُظلم أو الكئيب إلى حدّ ما؟ فيجيب: "بدأت كتابة الرواية في 2019، قبل وباء كورونا بعام تقريبًا، وخلال الوباء كنت أشتغل عليها. لا أعرف إن كان الخوف العام أثّر فيّ أم لا، لكنني أعرف أن العالم السردي كان مكوّنًا من قبل وأنني كنت أطوره فحسب.
من ناحية أخرى، لا أحتاج إلى وباء لأنعزل عن العالم، فانا منعزل بالفعل وأقضي معظم وقتي ما بين القراءة والكتابة والترجمة ومشاهدة الأفلام، وهي أشياء تحدث في البيت عادةً. ربما منعني الوباء من الخروج جبرًا، لكنني أنا قليل الخروج، باختياري".
ثنائية الخفة والثقل
تتميز الرواية بثنائية الخفة والثقل في الرؤية والسرد، فكيف يُفسّر المؤلف هذا التأرجح هذه الثنائية في البنية الروائية؟ وكيف أثّر تعدد الأفكار ما بين الذاتيّ والوجوديّ المعيشي على متلقي النص؟ يقول الكاتب: "في مرحلة الكتابة، أفكر في الرواية نفسها ولا أفكر خارجها. ما يعنيني في المقام الأول أن أمسك بالخيط السردي وصوت الراوي، وأن أبني العمل بما يمليه عليّ العمل نفسه، وأن أستسلم للإلهام. بمعنى آخر، مضمون العمل وجمالياته هو ما يشغلني في المقام الأول. أما التفكير في القارئ أثناء الكتابة فأظن أنه يعيق المبدع، فأي قارئ أكتب له؟ ما صفاته وما ثقافته؟ من الصعب تخيل قارئ بعينه، لذلك فكتابتي لكل القراء. وأظن من تجاربي السابقة في النشر أن كتبي تجد صدى طيبًا، وإن كان بعضهم قد يتحدث عن صعوبة قراءة أعمال تجريبية. أتفهم ذلك، لكنني في الوقت نفسه مشغول بكتابة رواية جديدة في جمالياتها وفي مضمونها، في صوت راويها وفي طرحها. لو فارقني هذا الفضول والشعف، سأتوقف عن الكتابة، لأن الكتابة عندي هي لعب مع العالم، وخروج عن مألوفيته، والإبداع في عمقه هو أن نأتي بجديد".
من يقرأ أعمال أحمد عبد اللطيف، ومن ضمنها "عصور دانيال" ، ينتبه إلى أنّ شخصية "الأب" تتجلى غالبًا في صورة قاسية، فيما تبدو الأم في صورتها المثالية. فهل للتجربة الحياتية أثر في ذلك؟ عن هذا السؤال يجيب الكاتب: " أعتقد بما قاله خوليو كورتاثر ذات مرة حين سألوه عن السبب في إحجامه عن كتابة سيرته الذاتية، فأجاب إن سيرته موزعة بين أعماله وإنما بشكلٍ فنّي. وأظنّ أن الكاتب- كل كاتب- يسكب نفسه بطريقة أو بأخرى في أعماله. لكنّ الفارق بين كاتب وآخر يكمن في القدرة على التخفي، وحجم الموهبة التي تسمح بتذويب التجربة الحياتية داخل آتون العمل الفني فينتهي بها المقام كتجربة حياتية كبيرة تخص البشر أجمعين وليست تجربته وحده. هذه التجربة، أو ربما هذا المرور بمجمرة الفن هو ما يفرّق بين كتابة السيرة وكتابة الرواية، أو عمل الاعتراف والكتابة المتخيلة. أنا أيضًا من أنصار كورتاثر جماليًا، وأعتقد أنني سربت بعضًا من سيرتي داخل أعمالي، لكنها السيرة المختصرة التي نحكيها بعدما نصل إلى شاطئ الأمان ونتمتع بالقدرة على الاعتراف. وحين أنظر إلى حياتي العائلية الآن أشعر بالتسامح تجاه الأب والامتنان للأم".
رغم اتساع عالم عبد اللطيف السردي في الكثير من رواياته، إلا أن بطله هو دائمًا وحيد في مواجهة العالم. وعن هذا الأمر يقول الكاتب: "بشكل عام وفي الحياة نفسها أؤمن بالفرد وأرفض الجماعة، وأرى أن كل فرد هو عالم في ذاته، وأنّ فهم هذا الفرد يساعد في فهم الجماعة نفسها. ثم أننا في زمن تزداد فيه الوحدة يومًا وراء يوم، والإنسان المعاصر سواء في العالم العربي أو الغربي، يواجه الوحدة كمعضلة يصعب حلها، نتاج هذا الشعور ملايين من البشر يستخدمون وسائل التواصل، تلك التي اكتشفنا أنها تزيد وحدتنا. فبعدما كان لنا أصدقاء من لحم ودم صار لنا أصدقاءً افتراضيين وجيرانًا افتراضيًا وحبًا افتراضيًا وألمًا افتراضيًا. وكلها أشياء تنتهي بمجرد ما نضغط على زرّ log out.
نبض