هالة كوثراني تبحث عن "معنى" الوجود بمزاج صوفيّ
"فتحتُ الباب" (ص11). "أقفلتُ باب بيتي وغادرت الى المطار" (ص 236).
بين جملتيْ الافتتاح والاختتام، تتخّذ رواية "يوم الشمس" للكاتبة اللبنانية هالة كوثراني (دار هاشيت- أنطوان)، بنيةً دائريةً تُشعرك بأنها انتهت من حيث بدأت.
ومع الفارق الزمني بينهما (ربيع 1985 وربيع 2019)، فإنّ العودة الى اللحظة السردية التي انطلقت منها الأحداث، تُوازي عودة البطلة (رؤيا) إلى "رحم" أمها (مي صالح)، وهو حلمٌ راودها على مدار الرواية.
"يوم الشمس" في مجملها هي رحلة بحث، يتخلّلها خطٌ "بوليسيّ"، يقوم على كشف سرّ مقتل الأم وملابسات اختفاء لوحتها. وفي هذه القضية، تلعب الإبنة دور "المحقّق"، بدلاً من "الشرطة"، وهو ما تُبرّره طبيعة الحياة في وطنٍ مزّقته الحرب الأهلية قبل أن يتولّى أمراء الحرب نفسها زعامة البلاد. "طُويت الجريمة مثلما تُطوى معظم جرائم القتل في هذا البلد، من دون أن يُعاقَب القاتل". (ص 54).
هكذا ظلّت رؤيا في بحثٍ دائم عن مي، وعن سرّ اللوحة التي اختفت يوم مقتلها لتجدها بعد سنوات في بيتها، من دون معرفة هوية المُرسِل وسبب الإرسال.
"فتحتُ الباب" (ص11). "أقفلتُ باب بيتي وغادرت إلى المطار" (ص 236)... بين جملتَي الافتتاح والاختتام، تتخّذ رواية "يوم الشمس" للكاتبة اللبنانية هالة كوثراني (دار هاشيت - أنطوان)، بنيةً دائريةً تُشعرك بأنها انتهت من حيث بدأت.
ومع الفارق الزمني بينهما (ربيع 1985 وربيع 2019)، فإنّ العودة الى اللحظة السردية "الأولى"، تُوازي عودة البطلة (رؤيا) إلى "رحم" أمها (مي صالح)، وهو حلمٌ راودها على مدار الرواية.
"يوم الشمس" في مجملها هي رحلة بحث، يتخلّلها خطٌ "بوليسيّ"، يقوم على كشف سرّ مقتل الأم وملابسات اختفاء لوحتها. وفي هذه القضية، تلعب الابنة دور "المحقّق"، بدلاً من "الشرطة"، وهو ما تُبرّره طبيعة الحياة في وطن مزّقته الحرب الأهلية قبل أن يتولّى أمراء الحرب نفسها زعامة البلاد. "طُويت الجريمة مثلما تُطوى معظم جرائم القتل في هذا البلد، من دون أن يُعاقَب القاتل". (ص 54).
هكذا، تظلّ رؤيا في بحثها الدائم عن مي (الأم/ المعنى/ الانتماء)، وعن سرّ لوحتها التي وجدتها فجأةً، من دون معرفة هوية المُرسِل وسبب الإرسال.
حركة الزّمن
ذهاباً وإياباً، تتحرّك أحداث الرواية بين ثمانينات القرن الماضي والزمن الراهن، فكأننا في سفر دائم بين البداية والنهاية، الولادة والموت، العودة والرحيل.
تتعدّد فصول الرواية من دون أن تُباعد بينها أبواب أو عناوين داخلية، وإنما إشارات زمنية تُعادل فسحة الحلم بلقاء الأم "الضائعة". أمّا الحروف/ الكلمات التي تُزيّن الكتاب من الداخل (أنجزتها الفنانة كارلا سالم)، فتحضر كاحتفاء جميل بفنّ الخطّ الذي جعلته كوثراني هاجس بطلتها ومصدر قوّتها.
ولم تأتِ هذه الرسوم لتؤدّي وظيفيةً شكليةً وجماليةً فحسب، إنما أوغلتها الكاتبة داخل اللعبة الروائية لتبني عالماً تتواءم فيه المعاني والصور.
وإذا توقفنا عند هذا التفصيل، نجد أن توظيف "الخط العربي" هنا يكتسب أهميته من نقطتين. الأولى عبر تكريس موقع "الرواية" كنوع أدبي قادر على احتضان كلّ أنواع الفنون وضمّها وهضمها. والأخرى من خلال تعزيز أهمية الخط العربي كجزء من الهوية الفنية - البصرية، تزامناً مع إدراجه أخيراً على قائمة اليونسكو ضمن التراث غير المادي.
تستعيد رؤيا البطلة/ الراوية حياتها على مدار ثلاثين عاماً تقريباً، مخالفةً التدرّج الطبيعي للحكاية، فيتداخل الاسترجاع والاستباق ضمن دفتَيّ الكتاب، ليجد القارئ نفسه في حركة مستمرة بين مرحلتين. ومن خلال هذه الانتقالات الزمنية، تصوّر الرواية جانباً من التاريخ الاجتماعي لمدينة بيروت (بالشقيّن الشعبي والسياسي) : حركة المجتمع، مستوياته، صعود طبقاته وهبوطها...
مالك مثلاً هو ابن الناطور في المبنى الذي تقطنه رؤيا. أحبّها ورأى إليها كحلم مستحيل، قبل أن يجد في الحرب وسيلةً للصعود الاجتماعي مستعيناً بسيطرة ظاهرة جديدة تُسمى "ثقافة القوة". ومن خلال حكايته، تكشف الرواية عن كيفية انتقال كثيرين من "الهامش" (المُنكسِر) إلى "المركز" (المُنتصِر).
دلالات المكان
وليس جديداً على كوثراني كتابة "المكان"، هي التي انشغلت ببيروت - مدينةً وهويةً - في أعمالها الروائية السابقة. وإذا كان تعيين الزمن بحسب نظريات النقد الأدبي، وتحديداً مع جيرار جنيت، أهمّ من تعيين المكان، فإنّ المكان يظلّ عند هالة كوثراني العنصر الأبرز في كتابتها.
هي لا تقدّم المكان باعتباره كياناً فيزيقياً أو مسرحاً يحتضن الحوادث، بل هو فضاء حسيّ يساهم في تشكيل العلاقة بين الذات والوجود. وتكتسب صورة المدينة هنا أهميةً مضاعفة بوصفها "مكاناً طارداً"، غير أليفٍ أو مألوف. ومن هنا، نفهم إحساس البطلة بالنفي، وإنْ داخل مدينتها. ولعلّها استمدّت هذه الحالة جرّاء شعورها الأصيل بـ"الفقد".
وإذا درسنا الأثر النفسي للمكان في سيكولوجية رؤيا، انطلاقاً من دراسة باشلار في كتابه الأثير "جماليات المكان"، نجد أنّ غُربة رؤيا داخل العالم ناتجة من غربةٍ عاشتها في مكانها الأول، البيت.
وهذا ما نقرأه على لسان رؤيا بقولها: "عشتُ سجينة بيتنا" (ص 37)، و"كنتُ بلا قصص لأنني سجينة غرفتي" (ص 41). أمّا المدينة، فهي "الخارج" الممنوع، حيث احتمالات الموت دائماً واردة.
وفي صفحات الماضي، تمكنت كوثراني من أن تنقل إلى قارئها إحساس الطفل داخل بيئة مُغلقة حيث التواصل شبه مُعطّل. فالأم غائبة جسداً، بعدما وهبت حياتها لفنّها (الرسم) وحبيبها (زوجها الثاني). الأب هو الغائب معنوياً، بعدما أوكل مهمة أبوّته الى أخته. أمّا العمّة فهي الحاضرة، بل المسيطرة على رؤيا، لكنّها مُغيّبة عاطفياً.

الغياب والحضور
وإذا تأملنا علاقة رؤيا مع هذا المثلث العائلي (الأم - الأب - العمة)، نجد أنّ فكرة الحضور والغياب من الموضوعات الجوهرية في هذا العمل. والغياب في حالة الأم أخذ معنى الحضور، فيما العكس صحيح في حالة الأب وأخته. بل إنّ ثقل الحياة داخل أسرة تكبّلها معايير السمعة والصيت والأعراف، دفعت رؤيا إلى "تبرير" رحيل أمها. وهذا ما فعلته هي نفسها في أول لحظة وعي بحقيقة "سجنها" العائلي، حين قررت الهرب من منزلها بحثاً عن أمّها في بيت طفولتها في مدينة صيدا الجنوبية. هذه الحادثة جرت في مراهقتها، وهي في الرابعة عشرة. يومها لجأت إلى رجل أربعينيّ غريب من أجل إيصالها الى أمها، رفضاً منها للقصة التي اختلقها والدها وعمتها عن رحيل والدتها.
ولا تنثني رؤيا عن تكرار هذه الحادثة، كأنما هي لحظة ولادتها الحقيقية. وإذا رصدنا دلالات الهرب في الأدب عامة، نجد أنه المُعادل الحركي لمفهوم الرفض، بكل ما يحمله هذا الرفض من مشاكسة ووعي وتمرّد وهدم وتغيير.
الحياة في هذا الجوّ العائلي "البارد" كان يقود رؤيا نحو محاولات التعويض. فمرّةً تنساق إلى روائح الطبخ المنبعثة من البيوت الدافئة، ومرّات تنجذب نحو الألوان لاستدعاء روح أمها.
وفي ظلّ هذا الغياب، أرادت رؤيا - عن غير قصد ربما - أن تصنع من نفسها نسخةً مصغرّة من أمها. فلم تقلدها في هربها فقط، بل أرادت أن تُشابهها في فنّها أيضاً. ومثلما لعبت أمّها بحرفَي اسمها حين اختارت أن توقّع تحت اسم "يمّ" بدلاً من "مي"، وجدت الابنة مبتغاها في الحروف التي صارت في ما بعد مهنةً وشغفاً.
ورغم أنّ رؤيا تمنح حيّزاً كبيراً لعلاقتها بالرجل (مروان الجار الأربعيني، مالك ابن الناطور، رامي ابن الزعيم الفساد)، تبقى علاقتها بالنساء هي الأكثر عمقاً في حياتها، لكأنّها تلتقط من كلّ واحدة ميزةً لتبني منها صورةَ أمها "المُشتهاة".
وهي إذ تجد أنّ زينب وعليا (صديقتيها) هما أكثر اكتمالاً منها فلأنهما حصلتا على الحبّ الأمومي، الذي حُرمت هي منه، ما أثّر في تدنّي مستوى حبّ ذاتها وثقتها بنفسها.
يبقى أخيراً أن نُشير إلى أنّ الرواية هذه كُتبت بشيء من الحساسية الصوفية، وهذا ما نراه في استدعاء كلمات معينة مثل "روح" وشخصيات من التراث الصوفي مثل النفري، إضافة إلى اشتغال البطلة بالحروف، ورسم الدوائر. وهذا من دون شك له دلالته الخاصة، باعتبار أنّ الصوفيين هم أكثر من اهتمّ بالحرف، فكأنه لغة سابقة على اللغة.
ويُعد تأويل الحروف من أهم سمات الكتابة الصوفية التي تؤْثِر الاختزال إلى حدّ الصمت. وهذا ما تقوله رؤيا في كثير من مواضع الرواية: "أرى الحروف رموزاً وإشارات، لا أجزاءً من كلمات ومعان... بل للحروف المفككة معان تتجاوز في نظري معاني الكلمات الكاملة والعلاقات بين الكلمة ومدلولها (...) أؤمن بالدوائر، بعمق معنى الدائرة. الواو صلاة، والنون نعلّق عليها أحلامنا".
العلامات الدالة
الأكثر قراءة
ثقافة
4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان
4/30/2026 1:28:00 PM
تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان
4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية
أسرار الآلهة
5/1/2026 5:40:00 AM
أسرار الآلهة
نبض