06-08-2022 | 01:26

مقارنة بين الهندوسية والإسلام في "مجمع البحرين"

​ تشكّل الدراسة المقارنة بين الأديان حقلاً معرفيًّا مستقلاًّ يتفرّع من أصلٍ هو دراسة الأديان. وتعود جذور هذا الحقل إلى منتصف القرن الثاني الهجري حين أخذ الدارسون المسلمون، في إطار الدفاع عن العقيدة الاسلامية، يضعون المصنّفات التي يتصدّون فيها للعقائد الأخرى ويقيمون الحجّة عليها بالأدلّة النقلية والعقلية، وقد تمخّض عن هذه الحركة مجموعة من الكتب المهمّة، نذكر منها على سبيل المثل لا الحصر: "الملل والنحل" للشهرستاني، "الفصول في الردّ على الملحدين" للأشعري، "المقالات في أصول الديانات" للمسعودي، "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" للبيروني، "الفصل بين الملل والنحل" لابن حزم الأندلسي، وغيرها.
مقارنة بين الهندوسية والإسلام في "مجمع البحرين"
Smaller Bigger

تشكّل الدراسة المقارنة بين الأديان حقلاً معرفيّاً مستقلاً يتفرّع من أصلٍ هو دراسة الأديان. وتعود جذور هذا الحقل إلى منتصف القرن الثاني الهجري حين أخذ الدارسون المسلمون، في إطار الدفاع عن العقيدة الاسلامية، يضعون المصنّفات التي يتصدّون فيها للعقائد الأخرى ويقيمون الحجّة عليها بالأدلّة النقلية والعقلية، وقد تمخّض عن هذه الحركة مجموعة من الكتب المهمّة، نذكر منها على سبيل المثل لا الحصر: "الملل والنحل" للشهرستاني، "الفصول في الردّ على الملحدين" للأشعري، "المقالات في أصول الديانات" للمسعودي، "تحقيق ما للهند من مقولة مقبولة في العقل أو مرذولة" للبيروني، "الفصل بين الملل والنحل" لابن حزم الأندلسي، وغيرها.

 

يتبيّن من هذه العناوين أنّ الهاجس المشترك بين هذه الكتب هو الردّ على الآخر، وتفنيد مقولاته، ودحض معتقداته. وهكذا، سبق المسلمون الغربيين في ارتياد هذا الحقل المعرفي بعدّة قرون، وكان على هؤلاء أن ينتظروا حتى بداية القرن التاسع عشر للانخراط في هذا الحقل، استجابة لأهداف استعمارية، فأخذوا يرسلون البعثات الدينية إلى الشرق للتعرّف إلى الديانات الشرقية المختلفة، وعكف علماء الاجتماع الغربيون على الدراسات المقارنة للدين، وبرزت في هذا الحقل أسماء مهمة، من قبيل: ماكس مولر وإدوارد بورنت وإيميل دوركهايم وماكس فيبر وغيرهم.

 

من هذه الشرفة، نطلّ على كتاب "مجمع البحرين/ دراسة مقارنة بين الإسلام والهندوسية" لشاهزاده محمد دارا شكوه، وهو أمير مغولي عاش في القرن السابع عشر، الصادر عن "مؤسّسة الانتشار العربي" معرّباً عن الفارسية من قبل أمار حسن الباحث المتخصّص في الآداب الروحية الهندية. فمن هو المؤلف؟ وما هو الكتاب؟ الإجابة عن هذين السؤالين هي محور هذه العجالة التي سنحاول التعرف فيها إلى هوية الأول وماهية الثاني.

 

 

 هويّة المؤلّف

في الإجابة عن السؤال الأول، نتكّئ على المقدّمة التي وضعتها البروفيسورة أزرمي دكت صفوي، الرئيسة السابقة لقسم اللغة الفارسية في جامعة علي غَره الإسلامية في نيودلهي، وعلى المقدّمة المستفيضة التي وضعها المعرّب حول حياة دارا شكوه وأعماله وآثاره. والمقدّمتان تشغلان أكثر من نصف الكتاب ليبقى للمؤلّف أقل من النصف، على أنّ هذا التصنيف الكمّي لا يعكس بطبيعة الحال القيمة النوعية للكتاب، فهو على صفحاته الستين يشكّل سابقة في علم الدراسة المقارنة للأديان بتركيزه على المشتركات بين الدينين المدروسين وانشغاله بالجمع بينهما لا بالتركيز على الفوارق بين الأديان والانشغال بما يُفرّق بينها وتغليب أحدها على الأخرى، ممّا تغرق فيه الدراسات الأخرى لأهداف دينية أو سياسية أو استعمارية.

 

وبالعودة إلى المؤلّف، والاتّكاء على مقدّمة البروفيسورة صفوي، يتبيّن لنا أنّ المؤلّف أمير تيموري مثقّف يصبو إلى نشر السلام لا شنّ الحروب، وُلِد بالقرب من مدينة أجمير المقدّسة، ونشأ في وسط سياسي ليبرالي يدعو إلى التوحيد بين الفكر والعمل، وشرع في رحلة غنوصية باطنية، وهو المسلم المتضلّع من القرآن الكريم، جعلته يقتنع بلا حصرية الحقيقة، ودفعته إلى التفكير في التقريب بين هندوس الهند ومسلميها، وتمخّضت رحلته الهندوسية / الصوفية عن كتاب "مجمع البحرين"، وقد استلهم  في رحلته الأيديولوجيا الهندية القديمة والأيديولوجيا الصوفية وتجربته الشخصية في الاستنارة والانجذاب، وخلُص إلى الاستنتاج أنّ نقاط النور والانسجام بين الهندوسية والإسلام أكثر من نقاط الوهم والتضليل، وأنّ كتب الإسلام وكتب الهندو درمه تنطوي على  الحقيقة الأساسية ذاتها، وأنّ الأوبنيشاد "هي ينبوع المعرفة ومحيط التوحيد" (ص 25).

 

وبالاتّكاء على مقدّمة المعرّب، يتبيّن لنا أنّ دارا هو حفيد السلطان المغولي الرابع جهانكير، ولد في 20 آذار (مارس) 1615 لأبٍ هو شهاب الدين خُرّم، السلطان المغولي الخامس، وأمٍّ هي ممتاز محل، وتلقّى في نشأته "أرفع العلوم الشرعية وأحدث المعارف الدنيوية" (ص 49)، ونزع منذ نعومة أظفاره منزعاً صوفيّاً أعرض فيه عن متع الحياة وملذّات الدنيا، وتشكّلت هويّته من مجموعة مكوّنات راحت تتفاعل فيما بينها راسمةً مساره ومحدّدةً مصيره؛ فدارا الأمير يترقّى في المناصب القيادية العسكرية من دون أن يخوض الحروب أو يتمرّس فيها، ما يدفع ثمنه لاحقاً. ودارا المريد يعبّر عن رغبته في التتلمذ على الولي الصوفي ميان مير في لاهور غير أنّ موت الأخير يحول دون تحقيق هذه الرغبة. ودارا الفنان والشاعر يخطّ اللوحات ويجمع الصور في ألبوم خاص، ويجمع قصائده في ديوان "الإكسير العظيم". ودارا الصوفي يعكف على دراسة الصوفية وقراءة أعمال أبي القاسم الجنيد ومولانا جلال الدين الرومي، ويضع الكتب الصوفية المختلفة. ودارا الباحث عن الحقيقة يستكشف الآخر ويتزوّد بما عنده، في محاولة منه للإجابة عن تساؤلات فلسفية تشغله، ويكتشف أنّ الفكر التوحيدي موجود لدى الآخر الهندوسي وليس حكراً على الذات المسلمة. ولعل هذا الاكتشاف، معطوفاً على الاستنتاجات السابقة وترجمته الأوبنيشاد ووضعه "مجمع البحرين"، هي ما يثير حفيظة العلماء والملالي عليه، ويأتي عدم احترامه لهم وتعريضه المستمر بهم ليزيد الطين بلّة، فيستغلّ أخوه أورنكزيب، الطامع في السلطنة الأمر، وينقلب عليه في إطار الصراع على السلطة، غير أنه يغلّف الصراع السياسي بغلاف ديني زاعماً أنّه يهدف إلى تخليص الإسلام والمسلمين من أخيه الزنديق، فيتمّ قتله، بعد استعراض مهين وتوجيه مضبطة اتهام إليه، في حزيران (يونيو) 1959. غير أنّ ما يتركه هذا الأمير من كتب في الصوفية والمقارنة بين الأديان يشهد على فضله ويجعله حيّاً بعد موته، والدليل الكتاب الذي بين أيدينا.

 

 

 

 ماهية الكتاب  

في الإجابة عن السؤال الثاني، "الكتاب عبارة عن مجموعة من الحقائق والمعارف لطائفتين عارفتين بالحقيقة"، على حدّ تعبير واضعه (ص 83)، وقد وضعه في تسع سنوات، ونشره في العام 1655 وله من العمر اثنان وأربعون عاماً. أمّا السبب المباشر لوضعه فيعزوه المعرّب إلى حكاية تفيد بأنه، خلال إحدى زياراته إلى مدينة الله آباد، جذبه مشهد التقاء نهري الغانج ويَمُنى، وخطر له التقاء الهندوس والمسلمين في مجمع واحد، ما حدا به إلى وضع الكتاب. أمّا تعريبه فجاء تلبية لطلب  الدكتور شري كرشنا غوبال جي، المسؤول في منظمة التطوّع الوطنية الهندية، خلال مشاركة المعرّب في منتدى عن حياة محمد دارا شكوه وأعماله، في دلهي، خلال تشرين الأول (أكتوبر) 2019. وإذا كان التقاء النهرين في مدينة الله آباد هو الذي أوحى إلى المؤلف بوضع كتابه، فإنه، ممّا لا ريب فيه، استوحى عنوانه من سورة الكهف في القرآن الكريم، وهو الحافظ له والمتأمّل في آياته، وقد جاء فيها: "وإذ قال موسى لفتاه، لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين، أو أمضي حُطُبا". وهو ما فعله الشيخ فخر الدين الطريحي في القرن السابع عشر، والشيخ ناصيف اليازجي في القرن التاسع عشر. فاستوحوا العنوان نفسه لثلاثة متون مختلفة، نوعاً وكمّاً، فيندرج الأول في دراسة الأديان المقارنة، والثاني في غريب القرآن والحديث، والثالث في المقامة الأدبية.

 
 

نقاط الضوء والانسجام

وبالعودة إلى الكتاب هو حصيلة الدراسة المعمقة للدينين والمناقشة المستفيضة لبعض  أوليائهما والتأمل المستمر في أحوال الوجود. ويشتمل على اثنتين وعشرين مسألة تتقاطع فيها الصوفية في الإسلام والفدانتية في الهندوسية، بشكل أو بآخر.

وتتناول هذه المسائل: الله، الماوراء، القيامة، الكواكب، الجهات، السماوات، الأرض، الخلاص الروحي وغيرها، على أن المشتركات بين الديانتين تتراوح في درجة الاشتراك بين التطابق والتمايز. وهذا ما يتلمسه المؤلف في المعتقد والمسلك والنص.

ومن هذه المشتركات: وجود الفكر التوحيدي في الديانتين، إقرارهما بأن العالم مخلوق من تراب وماء، الحواس الباطنية هي نفسها تقريبًا في العقيدتين، اشتراكهما في الوصف المجازي للنور الإلهي، بيان صفات الله تعالى، بيان أسماء الله تعالى، تعدّد درجات النعيم، تعدّد السماوات والأرضين وغيرها. غير أنه في معرض المقارنة، قد يحمّل النص الديني أكثر ممّا يحتمل، أن "الروح الأعظم" في الهندوسية هي الحقيقة المحمدية في الإسلام.

 

وقد يُنسب إلى المخلوق ما هو متعلّق بالخالق، فيرى أن النبي هو المقصود بالتشبيه في سورة الشورى "ليس كمثله شيء وهو السميع البصير". وقد يجتهد في تفسير النص، فيرى أن الأوبنيشاد هي الكتاب المكنون الذي ورد ذكره في سورة الواقعة "إنه لقرآن كريم، في كتاب مكنون، لا يمسّه إلا المطهّرون".

 

ومع هذا، يبقى "مجمع البحرين" من بين أهم الدراسات في المقارنة بين الأديان، ولعل أهميته تكمن في بحثه عن المشتركات لا المفرّقات بينها، انطلاقاً من إيمان واضعه بوحدة الوجود ولاحصرية الحقيقة، وبذلك، يرسي أسساً ومعايير جديدة في علم مقارنة الأديان يقتضي الاستنارة بها إذا ما أراد هذا العلم تحقيق أهدافه الكبرى.       

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية