05-02-2023 | 23:58

حنان الشيخ في رواية "عين الطاووس"... بين قسوة الوطن ومرارة المهجر

منذ خمسة عقود ونيّف، تزاول الروائية اللبنانية حنان الشيخ نشاطها الروائي الذي تمخّض عن ثلاث عشرة رواية، شكّلت "انتحار رجل ميت" (1970) فاتحته، ونأمل ألا تشكّل "عين الطاووس" (2023)، الصادرة مؤخرًا عن "دار الآداب" في بيروت، مسك ختامه. وهي الثامنة لها، عن هذه الدار، بعد "حكاية زهرة"، "مسك الغزال"، "إنها لندن يا عزيزي"، "صاحبة الدار شهرزاد"، امرأتان على شاطئ البحر"، "حكايتي شرح يطول" و"عذارى لندنستان". وبالعودة إلى تواريخ صدور هذه الروايات يتبيّن أن المدة الفاصلة بين رواية وأخرى تتراوح بين سنة واحدة، في الحد الأدنى، وعشر سنوات، في الحد الأقصى. وإذا ما اعتبرنا أن الروايات الثلاث عشرة صدرت خلال ثلاثة وخمسين عامًا، يتبيّن أن المعدّل الوسطي للمدة الزمنية الفاصلة بين رواية وأخرى هو أربع سنوات، ما يشي بوتيرة إنتاج وسطية، لا تسارع فيها ولا تباطؤ، مع الأخذ بعين الاعتبار أن المعيار الزمني الكمّي لا يصلح لقياس درجة الإبداع، فالمعيار النوعي وحده هو أداة القياس في هذا المضمار.
حنان الشيخ في رواية "عين الطاووس"... بين قسوة الوطن ومرارة المهجر
Smaller Bigger
 

منذ خمسة عقود ونيّف، تزاول الروائية اللبنانية حنان الشيخ نشاطها الروائي الذي تمخّض عن ثلاث عشرة رواية، شكّلت "انتحار رجل ميت" (1970) فاتحته، ونأمل ألا تشكّل "عين الطاووس" (2023)، الصادرة مؤخراً عن "دار الآداب" في بيروت، مسك ختامه.

وهي الثامنة لها، عن هذه الدار، بعد "حكاية زهرة"، "مسك الغزال"، "إنها لندن يا عزيزي"، "صاحبة الدار شهرزاد"، "امرأتان على شاطئ البحر"، "حكايتي شرح يطول" و"عذارى لندنستان".
 

وبالعودة إلى تواريخ صدور هذه الروايات يتبيّن أن المدة الفاصلة بين رواية وأخرى تتراوح بين سنة واحدة، في الحد الأدنى، وعشر سنوات، في الحد الأقصى. وإذا ما اعتبرنا أن الروايات الثلاث عشرة صدرت خلال ثلاثة وخمسين عاماً، يتبيّن أن المعدّل الوسطي للمدة الزمنية الفاصلة بين رواية وأخرى هو أربع سنوات، ما يشي بوتيرة إنتاج وسطية، لا تسارع فيها ولا تباطؤ، مع الأخذ في الاعتبار أن المعيار الزمني الكمّي لا يصلح لقياس درجة الإبداع، فالمعيار النوعي وحده هو أداة القياس في هذا المضمار.

 
 
 

سؤال الهجرة

في "عين الطاووس"، تطرح حنان الشيخ سؤال الهجرة وما يتفرّع عنه من أسئلة الاندماج والعنصرية والتفكك الأسري وغيرها. وهي تفعل ذلك من خلال رصدها حركة الشخصيات  في الفضاء الروائي، سواء الفردية المتعلقة بكل شخصية على حدة أو المشتركة المتصلة بتفاعل الشخصيات في ما بينها. لذلك، نتعرف في مرصد حنان الشيخ الروائي إلى الأم اللبنانية ياسمين وابنها ناجي وابن شقيقها ريكا، المقيمين في مجمع سكني للمهاجرين في الجنوب الفرنسي.

ونرى من خلالهم نمط العيش عند المهاجرين، بين وطن هاجروا منه ولا يريدون العودة إليه، وآخر هاجروا إليه ولم يستطيعوا الاندماج فيه، فعاشوا على هامشه في "غيتو" خاص بهم، مغتربين عن أوطانهم، غرباء عمّا حولهم.

 

رواية مفارقة

على أنّ حنان الشيخ في "عين الطاووس" تفارق، في مقاربتها ظاهرة الهجرة، رواية الهجرة اللبنانية والعربية بتجلياتها المختلفة، من حيث أسباب الهجرة وأهدافها ونوعية المهاجرين؛ فأبطال الرواية الثلاثة لم يهاجروا للعمل والكدح والإثراء والعودة إلى الوطن، كما نرى في روايات إملي نصرالله وسواها ممّن قاربوا هذه الظاهرة، بل فعلوا ذلك لأسباب وأهداف أخرى؛ فياسمين هاجرت مع ابنها الصغير ناجي، بعدما هجرها زوجها لامرأة أخرى، تلبية لدعوة عشيقها رامي المقيم في الجنوب الفرنسي، وريكا ابن أخيها المقيم في السنغال -من أم أفريقية- هاجر هرباً من التهميش واللامبالاة، لعلّه يعثر في المهجر على فرصة حياة كريمة.

والمفارق أن الشخصيات الثلاث تعاني من أعطاب جسدية ونفسية، وتتحدّر من أسر مفككة، ما ينعكس على نمط عيشها وعلاقاتها فيما بينها.

ويأتي العيش في مجمّع سكني مغلق ليزيد الطين بلة، فيكتسب الصغار عادات سيئة تودي ببعضهم إلى الانحراف، ويتموضع الكبار بين الطموح المشروع للحرية والحياة الكريمة والخيارات المحدودة لتحقيق هذا الطموح.

 

 

بين الأم والعشيقة

تتموضع ياسمين بين هجر الزوج لها ليفرّ مع الخادمة الفيلبينية أفلين إلى كندا، وعلاقتها الغرامية برامي المتزوج من أخرى، وخيبة أملها في ابنها الوحيد العاطل من العمل والمدمن على المخدرات والمهتم بأغاني الراب، وعملها طاهية في أحد المطاعم لتعيل نفسها وابنها، وإقامتها في شقة متواضعة في المجمّع السكني، ما يجعلها عرضة للقلق والهواجس المختلفة.

 

وكثيراً ما تعيش تجاذباً بين المرأة فيها الراغبة في ممارسة حريتها واغتنام حقها في الحياة وطيّباتها المختلفة وبين الأم المنصرفة إلى الاهتمام بابنها الوحيد والقلقة على مستقبله؛ فحين ترجح كفة الأولى، توافي عشيقها رامي القادم من لبنان إلى أسبوع غرامي في أحد فنادق نيس، وتمدد إقامتها أسبوعاً آخر بعد رحيله تتسكّع فيه على شاطئ المدينة، وتفكّر في عدم العودة إلى الشقة وترك ابنها العشريني إلى أخذ أموره بيده.

 

وحين ترجح كفة الثانية، تفرح بما تناهى إليها من نجاح ابنها في غناء "الراب" ما جعل قناة تلفزيونية فرنسية تصوّر فيلماً وثائقيّاً عن المجمّع وحياة القاطنين فيه، وتقتنع أخيراً بأن غناء "الراب" يمكن أن يكون عملاً تُرجى فائدته.

 

وينتهي التجاذب بين المرأة والأم في مصلحة الثانية، فتقرّر العودة إلى شقتها واستئناف حياتها السابقة. على أن ياسمين في ممارسة أمومتها تكسر الصورة النمطية للأم الشرقية المتمسكة بأدبيات الأمومة، فتتساهل مع تعاطي ابنها المخدرات وتمده بالمال اللازم لشرائها، وتتأخر في إخضاعه للعلاج من الإدمان والعلاج النفسي، وتتسامح مع الشتائم التي يكيلها لها والصفات التي ينعتها بها، وتسرف في دلاله ما يؤدي إلى إفساده.

 

 

الابن المعطوب

في المقابل، يشهد الابن ناجي هجر الأب صغيراً ما يخلّف فيه ندباً لا يندمل، وتأتي علاقتها برامي لتحول دون اندماله. ويتموضع بين مجموعة أعطاب جسدية ونفسية تتحكم بمجرى حياته؛ فيفقد إحدى عينيه في طفولته ويستعيض عنها بعين زجاجية يشبهها بعين الطاووس، وهنا يتقاطع عنوان الرواية مع متنها، ويدمن الحبوب المخدرة خلال إقامته في المجمّع، ويتخذ من "الراب" سلاحاً للتعبير عن رفضه الواقع والسخرية منه، ولا يقوم بأي عمل، ويأخذ مصروفه من أمه، وينخرط في علاقات عابرة مع ماغي المغنية الفرنسية وباسكال، ويتوق إلى الاندماج مع المجتمع الفرنسي، ويعبّر عن ذلك في غير موضع في الرواية؛ فيخاطب أمه بالقول: "لكنني، يا أمي، لا أشعر أنني في فرنسا في هذا المجمّع؛ أريد أن أتعرّف بالفرنسيين لا بالمهاجرين الذين تركوا بلادهم مثلنا" (ص 238)، ويقترح على مسيو شارل أن يعنون فيلمه الوثائقي بـ"أريد أن أعيش في فرنسا مع الفرنسيين" (ص 249)، ويفسّر له سبب الحالة التي يتردّى فيها بالقول: "... فالمجمّع هذا يشبه بؤرة تحت الأرض سحبتني إليها وطمرتني؛ فأنا لا أشعر بأنني في فرنسا..." (ص 250).

 

وهكذا، يتمّ التعبير عن حياة المهاجرين الذين يعيشون في "غيتوات" مغلقة، على هامش مجتمع مضيف لا يقبلهم بسهولة ويحول دون اندماجهم فيه لأسباب مختلفة، ولعل هذا ما يفسّر ولا يبرّر ما يصدر عن هؤلاء من أعمال مخالفة للقانون بين فترة وأخرى. في ظل هذا الحصار الذي يتردّى فيه الابن بين "اليتم" والعزلة والإدمان والبطالة والعطب الجسدي، تبرز نقاط ضوء، تتمثّل في تأليف "الراب" وغنائه، وانضمام ابن خاله ريكا للعيش معه، وعلاقات غرامية عابرة، لتشكّل بصيص أمل لكسر الحصار والخروج من نفق الهجرة المظلم.

ولعلّ انتهاء الرواية بمحاولته وصل ما انقطع مع حبيبته وشريكته في الغناء ماغي، وقراره الوقوف على بابها أياماً حتى تفتح له، يفتحان الرواية على إمكانية تحقق الاندماج مع المجتمع المضيف، ولو طال الزمن.

 

خيارات محدودة

من جهة ثانية، يعاني ريكا، ابن خال ناجي "غير الشرعي" القادم من السنغال، من التمييز الأسري والتنمّر العنصري والعطب الجسدي والبعد عن والديه، اللبناني والسنغالية، خلال إقامته مع جديه في لبنان.

ويعاني من إهمال الأب له وتهميشه إياه واستغلاله حين يعود شابّاً إلى السنغال، فيهاجر إلى ألمانيا ليقيم في مخيّم للمهاجرين، ويعيش حياة بائسة منطوياً على نفسه، مكتئباً. غير أن مجيء عمّته ياسمين وابنها ناجي إلى ألمانيا يوفر له فرصة للخروج من المخيم لا يستغلّها، حتى إذا ما رفضت السلطات منحه الإقامة وأعادته إلى السنغال وضاق ذرعاً بهذه الإعادة القسرية، يعود لاغتنام الفرصة التي أتيحت له ويتصل بعمّته في فرنسا وينضمّ إليها، مفضّلاً "مزراب" المهجر على "دلفة" الوطن.

 

وتشكّل إقامته مع ناجي ابن عمته الذي أمضى معه شطراً من طفولته في لبنان وقراره البحث عن عمل بداية الخروج من ماضٍ سيّئ والدخول في حاضر أقل سوءاً. وبذلك، تقل الخيارات المتاحة للمهاجر، ويكون عليه أن يختار بين السيّئ والأسوأ.

 

وعليه، من خلال هذه الشخصيات المحورية الثلاث والأخرى المتعالقة معها، بشكل أو بآخر، تقول الشيخ ما يعانيه المهاجرون في البلدان المضيفة من عزلة وتهميش وبؤس وإقصاء وغربة واغتراب. والمفارق أن هذه المعاناة، على قسوتها، تبقى أرحم من المعاناة في البلدان التي قدموا منها جرّاء الاستبداد والحرب والجوع وسواها من الأعطاب السياسية والعسكرية الاجتماعية، ما يجعل "مزراب" المهجر أرحم من "دلفة" الوطن.

 
 
 

منزلقات الحوار

إلى ذلك،  إذا كانت الكاتبة استخدمت الفصحى في السرد، وهو أمر طبيعي، واصطنعت لغة سردية رشيقة، تيمم شطر الأدبية من دون أن تتقعّر، وتجاور بين التعبير المباشر والمداور، وتنطوي على قدر من الجمال لا ينزع عن الرواية هويتها كعمل أدبي، فإنها استخدمت المحكية في الحوار، في محاولة منها للإيهام بالواقعية، وهو أمر طبيعي بدوره.

 

غير أن هذا الاستخدام لم يحلّ دون انزلاق الحوار إلى هنات معيّنة تثقل كاهله ويمكن تلافيها بقليل من الانتباه، من قبيل: استخدام عبارات مبتذلة (ص 29)، التقعّر اللغوي وعدم مناسبة الكلام لمقتضى الحال (ص 32)، المزج بين المحكية والفصحى في بعض العبارات (ص 100)، والمزج بين المحكيتين اللبنانية والسورية (ص 113)، وغيرها. على أن هذه الهناّت الهيّنات لا تحول دون القول إن "عين الطاووس" تشكّل قيمة مضافة إلى منجز الشيخ الروائي، تعالج قضية راهنة على قدر من الأهمية والخطورة، ولن يعود قارئها من الغنيمة بالإياب.

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية