هل تنشئتنا الاجتماعيّة مسؤولة عن إخفاقنا النّهضوي؟
ورأى آخرون أن ثمة عوامل جغرافية (محمد جابر الأنصاري) أو تاريخية تقف وراء الفوات الحضاري العربي يجب أن تؤخذ في الاعتبار بصورة جدية وأساسية (جرجي زيدان، ياسين الحافظ).
يستعيد كتاب "التنشئة على العصبية" لفردريك معتوق وفادي دقناش (منتدى المعارف، 2022)، التساؤلات النهضوية المربكة ذاتها: لماذا لا نتقدم؟ لماذا سوانا أفضل منا؟ ليخلص إلى أن ثمة جيلاً اجتماعياً التزم الصمت المعرفي إزاء هذه التساؤلات من دون الجرأة على ربط مسألة التغيير بطرائق التفكير ونمط المعرفة المعتمد.
لكنّ مشكلتنا كأناس يعيشون في الأزمنة المعاصرة ولم يعودوا يستطيعون متابعة مصيرهم التراجعي إلى ما لا نهاية، يفرض العودة إلى التاريخ السوسيو – معرفي للبحث عن الإجابة، إذ إن الأمر برمّته يعود إلى طرائق التفكير ومآلها الميداني في التخطيط والتنفيذ، والتي تعود بدورها إلى قرار حقيقي واستراتيجي بالانتقال من مجتمعات التقليد إلى مجتمعات الحداثة.
فمن المستحيل أن تبصر الحداثة النور من دون عملها على ابتكار معادلة جديدة، تكون بمثابة مخطط توجيهي فكري جديد لأفراد المجتمع كلهم.
فالتغيير الذي تطلبه الحداثة ما كان لينجح لو لم تُعتمد طرائق تفكير وتنفيذ مبتكرة، يتوحد من خلالها المجتمع حول رؤية جامعة أفقياً وعمودياً على السواء. الأمر الذي حالت دونه طبيعة التنشئة الاجتماعية في المجتمعات العربية كما في مجتمعات الشرق الأوسط المعاصر، ومرتكز هذه التنشئة وليس أحد مكوّناتها فحسب هو الوعي العصباني.
فالمجتمعات التقليدية خاصتنا ما زال وعيها تقليدياً، وفي قلب هذا الوعي محرك ذهني يتمثل بالعصبيات التي ما زالت تتحكّم بالمسار الحياتي لجميع الدول العربية على نحو معقلن أو مموّه، كما أنّ نزاعات العرب وأشكال عمرانهم مبنية على هذه القاعدة التي وضعها ابن خلدون قبل سبعة قرون.

تنشئة مغلقة
إن التنشئة على العصبية هي أم التنشئات كلها، فقد اخترقت كل المعتقدات الوثنية والأديان السماوية والأنظمة الأميرية والملكية والإمبراطورية والديموقراطية. لكنّ دولة المواطنة المدنية في الغرب وضعت حداً قانونياً ودستورياً للعصبيات غداة الثورة الفرنسية عام 1789، شيّد نظام حياة وحكم جديداً بات مقترناً بالحداثة الغربية.
لكنّ دول ومجتمعات العالم لم تهتد كلها إلى هذا الأنموذج الجديد، وبقيت بناها المعرفية مرتبطة بتراثها من دون أن تمسّ كيانه الأساسي. يميّز المؤلف بين التنشئة الاجتماعية بمفهومها الغربي الحديث، والمبنية على خلفية معرفية عظمى هي الحداثة، وبين تنشئتنا الاجتماعية المبنية على خلفية معرفية هي التقليد. وإذ يرصد خصائص هذه التنشئة التي أعاقت ولا تزال تعيق نهضتنا وتقدمنا وسبل تحوّلها إلى تنشئة حديثة، يخلص إلى استنتاجات أساسية:
أ- إن تنشئتنا الاجتماعية هي تنشئة عصبية أفقية تعتمد التفكير الدائري ضمن حلقة محكمة الإغلاق، لا تعترف إلا بقانونها ودستورها الحياتي العام، ولا قدرة لأي من عناصر المصادر الثانوية الحديثة على اختراق بنية الوعي العصباني المستدام.
ب- غاية التنشئة الاجتماعية التقليدية هي العصبية وجعل التواؤم المعرفي والسياسي تاماً بين الفرد والجماعة، وبين الجماعة الأهلية. ولذلك لا مجال لاعتراف حقيقي بالآخر والمختلف في التنشئة التقليدية، وأقصى ما يمكن أن تفضي إليه هذه الحالة هو تجاور غير تكاملي مع أي إنسان مختلف في التنشئة، بينما التكامل ينشأ عن إرادة توحيدية مواطنية، وهو شكل من الوعي المواطني والمدني لا ينبت في تربة التنشئة الأهلية المنغلقة تماماً على الآخر.
ج- كل عصبية تبصر النور في التنشئة البيتية من خلال تشريب الطفل "بديهيات" تظهر في صور نمطية، تقوم على أحكام مسبقة مبنية على ثنائية الداخل والخارج، القريب والعدو. والحكم المسبق يشكّل القاعدة الصلبة للوعي العصباني الذي سيعتمده الفرد لاحقاً كبوصلة فكرية مدركة وغير مدركة لسلوكه الاجتماعي في الحقل السياسي، كما في الحقل الثقافي والديني والتواصلي، وهو فكرة لا تقبل المراجعة أو المساءلة، وشبكة قراءة معرفية للدنيا كلها مبنية على تراث شفهي منقول. وأقصى تمظهرات الحكم المسبق العرف، وهو عندنا عابر للأزمان، ولا يجوز تخطيه، ويشعر صاحبه بالأمان والأحقية والتفوّق والاطمئنان المعرفي العميق، باعتباره وحده دون سواه مالكاً للحقيقة، هو وأهله وجماعته، فيما كل الذين يختلف معهم في التفكير في مصاف الأعداء الفاقدين للحقيقة.

تأسيساً على هذه الخصائص والمقدمات، يرى المؤلف أن لا مجال لأن يتحول الوعي التقليدي الملقّن والفاقد الحرية والقرار إلى وعي حر، وأن الطفل عندما يكبر تتعزز عنده الأحكام المسبقة، لأن الفرد في الوعي التقليدي المقفل لا يترافق مع نشأة أفراد يملكون حرية التفكير والتعبير، فلا عجب على هذا النحو من انسداد آفاق التغيير والتطور الحقيقية في مجتمعات تقليدية تصر على البقاء كما هي.
وتبقى المدرسة أو الجامعة في مجتمعات كهذه عاجزة عن أن تشكل مصدراً مستقلاً وفاعلاً، فقد دلّت دراسة ميدانية لعلي وطفة حول محددات السلوك الانتخابي في جامعة الكويت عام 2012، إلى أن العاملين القبلي والعشائري يتصدران العوامل الأخرى، وقد فاقا الـ89 في المئة.
وأشار نديم محسن، في بحث سوسيولوجي شمل عيّنات من طلاب الجامعة اللبنانية والجامعة اللبنانية الأميركية عام 2018، إلى حضور قوي للفضاء الفكري التقليدي، واعتماد ما هو شائع من تكلسات فكرية موروثة، بحيث نجد أنفسنا أمام جامعات عصرية لا حديثة، تخرّج طلاباً نيو تقليديين.
إزاء هذا التكلس في التنشئة الاجتماعية في العالم العربي، يستعيد معتوق رؤية المفكر الألماني كارل منهايم التي تدعو إلى مراجعة طوعية لكل ما في الذاكرة الجماعية من عناصر مشوشة أو معطّلة للابتكار والتجديد، وإلى تغييب ما في التراث من كوابح معرفية للتقدم، وإلى تشجيع الأجيال الجديدة على اعتماد طرائق تفكير مفتوحة على الابتكار التكاملي، حيث يلتقي احترام موروثات الماضي مع حفظ حق العقلانية ووقائع الحاضر.
هذه العملية المعرفية شاقة وطويلة في رأي المؤلف، لكنها غير مستحيلة.
نبض