28-02-2023 | 22:36

"طفلة الرعد" في مواجهة فوبيا الكلام والتخالط

على الرّغم من مرور ثلاثة عقود ونيّف على وضع الحرب الأهلية اللبنانية أوزارها، فإنها، بمقدّماتها ومجرياتها ونتائجها، لا تزال مصدر إلهام للكتابة، على أنواعها، لا سيّما الروائية منها، فتتوالى الروايات التي تتناول تلك الحرب تباعاً حتى بات بوسعنا الكلام على رواية الحرب كظاهرة روائية قائمة بحد ذاتها. ولعل رواية "طفلة الرعد" للكاتبة اللبنانية غادة الخوري، الصادرة مؤخّراً عن دار الآداب، هي آخر إنعكاسات تلك الظاهرة. وغادة الخوري كاتبة لبنانية سبق لها أن عملت في التحرير الصحافي وإعداد البرامج التلفزيونية وصدرت لها رواية "يوم نامت ليلى" قبل روايتها الثانية "طفلة الرعد". ومع هذا، تبدو الرواية مستوفية الشروط الفنية، ولا تعكس تعثّر البدايات ممّا يقع فيه كثير من الكتّاب.
"طفلة الرعد" في مواجهة فوبيا الكلام والتخالط
Smaller Bigger

على الرّغم من مرور ثلاثة عقود ونيّف على وضع الحرب الأهلية اللبنانية أوزارها، فإنها، بمقدّماتها ومجرياتها ونتائجها، لا تزال مصدر إلهام للكتابة، على أنواعها، لا سيّما الروائية منها، فتتوالى الروايات التي تتناول تلك الحرب تباعاً حتى بات بوسعنا الكلام على رواية الحرب كظاهرة روائية قائمة بحد ذاتها.

 

ولعل رواية "طفلة الرعد" للكاتبة اللبنانية غادة الخوري، الصادرة مؤخّراً عن دار الآداب، هي آخر انعكاسات تلك الظاهرة. وغادة الخوري كاتبة لبنانية سبق لها أن عملت في التحرير الصحافي وإعداد البرامج التلفزيونية وصدرت لها رواية "يوم نامت ليلى" قبل روايتها الثانية "طفلة الرعد". ومع هذا، تبدو الرواية مستوفية الشروط الفنية، ولا تعكس تعثّر البدايات ممّا يقع فيه كثير من الكتّاب.

 

مقدّمات الحرب

في "طفلة الرعد"، ترصد الخوري المقدّمات التي أفضت إلى قيام الحرب الأهلية اللبنانية، فتروي التحوّلات التي تحدث في  دير زوفا، الاسم الروائي لقرية مسيحية، تجاور بقاع نبعا، الاسم الروائي لقرية مسلمة، وتتموضع في وسط إسلامي، ما يجعل الموقع مقدّمة لطرح السؤال الطائفي في الرواية، وتفسير كثير من الأحداث الغامضة التي تجري في القرية، في ضوء هذا السؤال. على أن هذه الأحداث تجري في السبعينات من القرن الماضي، عشية اندلاع الحرب الأهلية، وتشكّل شرارة عين الرمانة أحد أحداث الرواية.

 

وبذلك، نكون إزاء فضاء روائي ريفي، يرتبط بفضاء مديني، يتفاعل معه ويتأثر به. على أن سؤال الحرب المطروح، بالتزامن مع السؤال الطائفي، تطرحه الرواية بشكل غير مباشر من خلال التحولات الاجتماعية، الفردية والجماعية، المرصودة. وهي تحولات تتمحور حول شخصية هيلانة، بطلة الرواية، والشخصيات الأخرى المتعالقة معها من مواقع مختلفة، فهيلانة هي طفلة الرعد التي تستجير به من عاهة التأتأة وتنمّر الآخرين عليها ومحاصرة الصيف لها. والمفارق أن الرعد الذي هو، في الأصل، مصدر خوف للأطفال، يعتبر مصدر أمان وطمأنينة لهيلانة تلوذ به وتأنس إليه.

 
 

الوحش الأسود

عاهة التأتأة هي الوحش الأسود الذي يتربّص بالبطلة، في بداية الرواية، وتتمكّن من قتله باعتباره رمزاً لهذه العاهة، في نهايتها. غير أنّه يتناسل بمرموزات أخرى، و"يتكاثر كزوان القمح"، ويصير "له إخوة وأبناء يربضون فوق أكتاف الرجال والنساء"، ويخطف الوطن، في نهاية الرواية.

 

وبين البداية والنهاية سلسلة من الأحداث التي تتمحور حول هيلانة، سواء من موقع الشاهدة عليها أو المشاركة فيها أو الصانعة لها. وخلال هذه السلسلة، تنمو شخصيتها وتتغيّر؛ فبعد أن كانت في بداية الرواية تعاني فوبيا الاختلاط وتلازم بيت زوجها، نراها في وسط الرواية تشارك في عيد السيدة للمرة الأولى حتى إذا ما رأت زوجها على رأس حلقة الدبكة وسط إعجاب المشاركين تستعيد شيئاً من الثقة بالنفس ولا تتورع عن التكلم مع الآخرين، وتبلغ هذه الثقة الذروة في نهاية الرواية حين تتصدى لبيير الكتائبي الذي يقتاد أم عادل وابنتها بقوة السلاح فيتحرر صوتها من عقاله وتحرّر المرأتين منه وتغدو موضع إعجاب الجميع بعد أن كانت موضع تنمّرهم، وتقتل الوحش الأسود الرابض على كتفها منذ الطفولة. وهكذا، تقول الرواية إن "العجز قرار والحرية أيضاً قرار" (ص 325)، وعلى الإنسان أن يقرّر.

 

آليات دفاع

في مواجهة عاهة التأتأة وما ينجم عنها من فوبيا الاختلاط والكلام، تلجأ هيلانة إلى مجموعة من آليات الدفاع، من قبيل ملازمة البيت، تجنب الاختلاط بالآخرين، القراءة والكتابة، الرعد، استبدال الأحرف، السعال، الراديو، وغيرها. غير أن هذه الآليات لا تشفيها من عاهتها، ويبقى القلق ملازماً لها، فهي لا تعرف سبب التأتأة، وتخشى أن تنتقل إلى ابنتها الصغيرة، ويأتي تكتّم المحيطين بها على السبب وكيفية موت أمها وسبب احتراق الصبية الجميلة وردية شقيقة زوجها ليضيف إلى شهورها بالقلق شعوراً آخر بالتهميش، وتأتي الأحداث الغامضة التي تحصل في القرية بدءاً من احتراق الحرش، مروراً بمقتل سمير، وانتهاءً باختفاء زوجها صالح لتزيد الطين بلّة.

غير أن تفكيك هذه الألغاز تباعاً، بفعل الأحداث المتعاقبة، يؤدي في نهاية المطاف إلى تحرر هيلانة من عاهتها واستعادة صوتها وقتل الوحش الأسود، على المستوى الفردي، لكن اندلاع الحرب وتناسل الوحش الأسود بتمظهرات جديدة، طائفية وسياسية ومناطقية، يطرح المشكلة على المستوى الوطني، وتشعر بأن صوتها وحده لا يكفي، وأن  الحاجة ماسّة إلى اصوات الجميع لقتل الوحش المتناسل. لذلك، تخاطب زوجها المخطوف صالح في نهاية الرواية بالقول: " ... الوطن كلّه اختطف يا صالح. وفي غيابك، صوتي وحده لا يكفي" ( 326).

 

 

 شخصيات أخرى

 إلى هذه الشخصية المحورية، ثمّة شخصيات أخرى تتعالق معها، بشكل أو آخر، ما يُشكّل شبكة علائقية هي عماد المشهد الروائي العام. وهي شخصيّات تتراوح بين الإيجابي والسلبي وما بينهما؛ فعلى المستوى الإيجابي، ثمة صالح الزوج المخلص والفلاح النشيط والحريص على البيئة وصاحب المروءة العالية وشيخ شباب الضيعة وحامي الحمى، وأم عادل المرأة القوية والصديقة الوفية والأم الصابرة، وفريد الأخ المحب والحزبي الملتزم، وعفاف الصديقة المخلصة والزوجة المخدوعة، وأبو فؤاد العم الوفي، وغيرهم. وعلى المستوى السلبي، هناك نادية الصهباء المطلّقة التي "احتلّت دكان زوجها جورج، وأقصته عن التعامل مع التجار، وأخفت عنه دفتر الحسابات" (ص 39)، وابراهيم الذي يقيم في بيروت ويلتحق بالحرب منذ اندلاعها، وبيار الذي يشهر سلاحه في وجه بعض نساء القرية، والأخ ألبير الذي يعتاش من التبصير وترويج الخزعبلات، وفادية التي تمارس نوعاً من الوصاية على أختها، وتستعلي على المسلمين، وتفخر باستخدام أولادها اللغة الفرنسية، وتتنكّر للغة العربية، وغيرهم. وما بين المستويين يتموضع الأستاذ نبيل الذي يزاوج بين حرصه على استخدام العربية وسلوكياته المتحلّلة من الضوابط، والمختار الذي يبدي حرصه على مصلحة القرية ويشتبه بتواطؤه مع النواب، وغيرهما.

 

وإذا كانت هذه الشخوص تتفاوت في حضورها النصي، فإنها تتفق في إيهامها بالواقعية وفي أنها مبنية بطريقة مناسبة، وتعكس في سلوكياتها وحواراتها المناخ الاجتماعي عشية الحرب الأهلية وَطَفْوَ السؤال الطائفي على سطح الأحداث، فإنّ ثمّة ملاحظات تتعلّق ببناء الشخصية المحورية الروائية، من حيث حرق المراحل في نموّها أو تجاور المتضادات فيها، فكيف يستقيم تحولها الحاد من شخصية منطوية على نفسها، تحس بالتهميش والنقص، وتخشى مواجهة الناس، إلى أخرى تتفقّد بعض العائلات، وتطمئن إلى أحوالها في غياب أبنائها، وتبدي حماسة للانضمام إلى اللجان الشعبية؟ وكيف يمكن أن تكتنز مثل هذه الشخصية وعياً وطنيّاً يرفض الطائفية، ووعياً قوميّاً يتعاطف مع الفلسطينيين، في الوقت الذي تعاني فيه فوبيا الاختلاط ومواجهة الآخرين؟

 

وعلى الرّغم من ذلك، تبقى "طفلة الرعد" رواية جميلة، تجمع بين طلاوة السرد المصوغ بلغة فصحى، قصيرة الجمل ومتوسّطتها، ورشاقة الحوار المصوغ بلغة محكية توهم بالواقعية. وتأتي الأمثال الشعبية المستخدمة لتعزّز هذا الإيهام. ولعلّ إسناد مهمة الروي فيها إلى راوٍ عليم، واستخدام خطّية زمنية في تسلسل الأحداث، وسواها من الخصائص، تجعلنا إزاء نصٍّ روائي يناسب العالم المرجعي الريفي الزراعي الذي يؤثر البساطة ويجانب التعقيد. وبهذه الخصائص، تكون غادة الخوري روائية واثقة البدايات، وتكون "طفلة الرعد" رواية مستحقة القراءة، ولن يعود قارئها من الغنيمة بالإياب بل بالمتعة والفائدة.     

    

الأكثر قراءة

ثقافة 4/23/2026 12:24:00 PM
فيلم "سوبر ماريو" يتصدّر عالمياً رغم تقييمات نقدية ضعيفة.
لبنان 4/30/2026 1:28:00 PM
 تشهد المدرسة احتفالات دينية وعمليات تكليف شرعي وإقامة طقوس دينية، ومناسبات اجتماعية، وسط حماية أمنية من "حزب الله"
لبنان 4/30/2026 8:49:00 PM
منخفض قطبي يضرب لبنان الأحد: أمطار غزيرة وثلوج ورياح قوية