الجفاء العربي القاتل
Smaller Bigger
لم يكن اللبنانيون نياماً حتى يُقالُ إنهم استيقظوا اليوم، وإنهم سيُحدثون التغيير بعد ثلاثة أشهر، وأن التغيير الأكبر سيحدث في الخريف المقبل لدى انتهاء الولاية.على طول التاريخ الاستقلالي، لا بل على طول تاريخ التجربة، كانت الأحداث هي التي تعصف بالناس. وكانت مشاريع الثورات والانتفاضات هي التي تُجهَض.الأخطاءُ تراكمت من داخلٍ ومن خارج، من خارج بخاصةٍ. وبعد ذلك يُطلب من اللبنانيين أن يتمرّدوا ويزيحوا رجال السلطة جميعهم. وذلك في بلدٍ ورثَ من تاريخه القديم منظومةَ الزعامات. الزعامات الطائفية والمناطقية، في مختلف مناطق هذا البلد الصغير الذي حوّلته المصالح بعد التألّق المعروف، إلى بلدٍ مُستعطٍ لا يثق أحدٌ به، ليس من منظار التطلّع إلى شعبه المِعطاء بل من منظار رؤية سياسييه وقياداته الذين في أبسط الأوصاف تسببوا بفقدان ثقة العالم بنا.الولايات المتحدة الأميركية تُخصص مائة دولار في الشهر لكل جندي بعدما كاد تماسك أفراد الجيش أن يهتز. والسفارات في الخارج مدعوة إلى تمويل ذاتها. والمباحثات مع صندوق النقد الدولي مهددة للأسباب نفسها: لا ثقة في دولةٍ تعجز عن إصلاح ذاتها. فالدولة مشغولة بهموم مصالح المسؤولين فيها. صمتَ العرب وقاطعوا. جمّدوا العلاقات إلى أن جاء وزير خارجية الكويت وطرح ورقةً وتحدّث "عن لبنان أيقونة المشرق العربي". شكراً للوزير الصديق. ولكن أين هي الأيدي الممتدة لبلدٍ له أفضالٌ على العرب. نقولها بالفم الملآن، وهو ما يعرفه العرب وما أشار إليه الوزير الكويتي. صحيحٌ أن أخطاءً قاتلة حصلت. أوّلها ذلك الحلف الذي يُصرّون على تسميته بـ"تفاهم مار مخائيل" والذي أدى فيما بعد إلى إطلاق يد إيران. ثانيهما تجميد العمل بالدستور لمدة سنتين ونصف السنة حتى لا يصل إلى الرئاسة سوى شخصٌ واحد فقط. ثالثها مسؤولية الذين فتحوا الأبواب أمامه. هنالك من عطّل العمل بالدستور، وهنالك من أعاد النظر وعقد التفاهمات الجديدة مع خصم الأمس التقليدي، وهنالك من وجد أن الفراغ لا يُفترض أن يستمر. إلى أن بان المستور مع فتح الأبواب وهو لم يكن مستوراً، حسبما يدلّ التاريخ القريب في مجال العجز عن تحقيق أي إنجاز.نعم. صمتَ العرب وقاطعوا. ومقاطعتهم شديدة القسوة. لأنه لم ...