"إِنَّهم لم يَنْسَوْا شيئاًإنْهم لم يَتَعَلَّموا شيئاً"(تاليران) تفيدنا التجارب أن مشاكل كثيرة عويصة، تكفيها حلول مبسَّطة، وأن الوصفات المعقدة قد تجعل السهل مستعصيًا على الحل. هذا ينطبق جدًّا على الوضع اللبناني. فالدولة التي أنشئت برغبةٍ مسيحيةٍ وبرعاية انتدابية، ورتع فيها المسلمون والمسيحيون معاً، وسعد بها العرب، ووضعها الغرب في كنف العناية، قامت على معادلة طبيعية وبسيطة جدًّا، هي التناسخ الدوري الأزلي بين الثلج والموج، بِفِعْلَينِ من ذَوْبٍ وتبخّر؛ معادلةٌ علَّمت الأوائل أن الاعتصام بالجبال لا يديم على جبّتها دفئها إلا أذا أهدت شمسُها البحرَ حرارةً تطهِّره من ملحه، وتحوّله سحابًا، فمطرًا، فأنهارًا تجري من فوقها الحياة؛ كما علَّمت الساحليين أن كل نفحة من أريج بساتينهم، لم تَسْرَبْ إلى البراعم إلّا عبر شرايين الأرض الواصلة بين جيرة الماء وجيرة السماء. أما اليوم، وبعد مائة عام، فلا شك أننا صرنا في وضع رهيب ينذر بهول أشدّ. لقد نخر السوسُ بنية الدولة، واستشرى الزُّعافُ وهَيْمَن الفَحِيحُ وهزُلت العملة الوطنية حتى التلاشي، وأصبحت مصارف الماء عندنا أعلى قيمة من مصارف المال، وتفشّت إسرائيل في الجغرافيا العربية، فكدنا أن نَعْرى من دعم شقيق أو صديق. وبعدما كنا بتكويننا وتسامحنا وتعايشنا نقيضَها، صرنا نستجدي منها بوساطة الأميركان حقّنا في مساحة مالحة، علَّنا نجدُ في أغوارها غازاً نضيء به حلكَتَنا الراهنة.لقد تهاتَرْنا كثيرًا، وتهافت فلاسفتنا وساستنا، فأبَيْنا أن نرى بالبصيرة، وأن نعتبر من التجارب، وقررنا في كل مرة أن ننتظر نتيجة انتخاب من هناك، ومضمون تصريح يدلي به مسؤول أجنبي متوسِّطُ الشأن من هنالك، إلى أن انتقل خليج "هرمز" بقلقه وفورانه من مقامه بين عُمان وبحر العرب إلى مزارع شبعا، وخرائط الترسيم البحري؛ فكيف ضاق المضيق ذرعاً بحسن الجوار وتكاملِ التاريخ، فكرهت الضّفَّة شقيقتَها، وساد الحقد حتى اطمأنّ "داود" فقفز بنجمته الزرقاء المسدَّسة المدببة رافعًا رايته مرفرفة مطمئنة؟ يُسَمِّي الاستاذ سركيس نعوم اللبنانيين "شعوبًا" رغم أن ...