كبير لبنان الكبير
Smaller Bigger

كان من جذور الأرض والتراب. إحتضن المئوية الأولى للبنان الكبير وغادر الأرض إلى التراب.

كان يكفي التطلع إلى وجهه ليدرك محدثه وسامعه أنه قادمٌ من بعيد. من المكان الذي لا يصله إلا أولئك الذين أدركوا سرّ لبنان. وكان ذلك هو سرّه الأكبر. ومكانه الأرفع. لأنه منذ البدء، وقف على الشرفة العالية وطاف بنظراته على السهول البعيدة قبل الأودية المقدسة، والمخابىء التي لجأ إليها البطاركة الموارنة من كفرحي إلى إيليج إلى قنوبين، حيث كان النهار يشرق على مزارع الفلاحين، والمساء ينزل على الكتب والشموع.

من معدن الصلابة قدّت شخصية ذلك الرجل الكسرواني الذي لم يرَ في بكركي، حيث امضى حياته كلها، مكاناً للإقامة، بل مطرحاً للزمان. فتعامل مع الناس والأحداث، من حيث الموضع الذي جعل نفسه فيه. والمرء حيث يجعل نفسه. ولذا لم ينل أحدٌ منه، على نحو الكبار الذين لا يجدون ملجأً لهم في الشدائد سوى ذواتهم، في الوحدة والكرامة، عندما ينساق الآخرون إلى الضياع والتردد.

فلم يكن التردد من مفردات ذلك الرجل، الضليع بلغة الروح قبل اللغات الأخرى، والعربية من بينها التي كان أستاذاً لها. ولم يكن بمستطاع أحد أن يغير القناعات عندما تترسخ في ضميره. وأيقن، من موقع ذلك الكرسي الذي جلس عليه سحابة ربع قرن، حتى عام 2011، تاريخ تنحيه الإرادي، أن ما بين يديه هو أمانةٌ، مردداً أمام بعض المقربين منه : لقد آن الأوان لكي أُسلم الأمانة. وأن التفريط بها هو تفريطٌ ليس بالثوابت بل بالمقدسات. فالوطن في ضميره، مثل ذلك القربان الذي كان يقدمه كل يوم على مذبح الكنيسة، مصلياً ألا يكون لبنان ضحية الطامعين والعابثين والمقصرين، والذين أخلّو بالأمانة مِمَن آلت إليهم على صعد السياسة والمسؤولية. لأن مسؤولية كل ما عانى منه لبنان وما شهده من محن، لم تكن من فعل الآخرين وحدهم. وهو شهد على ما لحقه ذات يوم من إهانةٍ شخصية تعرض لها في بكركي على أيدي مجهولين معلومين، فإلتجأ إلى بيته الثاني في الديمان.