.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
ها هي "ستّي إم الياس" بحجابها الرماديّ التي لم أشاهدها يوماً من دونه، وتجاعيدها المتغضنة وقد تربّصت خلفها عشرات الحكايات التي ستكون الروح ناقصة نقصاناً هائلاً من دون صداها، والمواقف المصيريّة التي تجسدّت برشّة صغيرة من الفلفل الأسود والكميّة الصحيحة من الكمّون والكزبرة وجوزة الطيب في الأطباق المُتقنة التي أرادتها تُحفاً فنيّة رفضت رفضاً قاطعاً أن تكون مكوّناتها مفرومة بطريقة عشوائيّة أو أن تكون "تتبيلتها" أقل من "قوّة سحريّة" تغوي المذاق والنظر والبطن.
"ستّي إم الياس" التي عبّرت من خلال ساعات طويلة كانت تمضيها يومياً "هيّي وغاطسة" في صنع الفتّوش وتحضير الفلافل وصحن المجدرة لأولادها الـ8 ولجدّي "أبو الياس يالّلي ما بيعجبو عجب"، عن هذا الحُبّ "البرّاق" والساحق الذي رسمت صورته في المطبخ، تقتحم الذاكرة و"هالّلبنة المتوّمة وشويّة نعنع يابس".
"ستّي إم الياس"، بانتصاراتها المطبخيّة وخيباتها وإخفاقاتها ونوادرها المزخرفة بالسمّاق ورائحة الزوباع البرّي، و"البيض المقلي بزيت الزيتون" و"المنقوشة بزعتر" التي أصرّت على تحضيرها والتفنّن في تحويلها مقطعاً أدبياً من قصّتها داخل المطبخ، ومن الألف إلى الياء في منزلها المتواضع في الكورة قبل أن"تُلوّنه" النيران الراقصة في "فرن الضيعة".
ها هي "أم الياس" تضيء مصباح أيامها في مكان ما في رواق الذاكرة، وتُهدّئ خواطر أفراد العائلة المشحونة بالهموم اليوميّة من خلال "طنجرة فاصوليا حمراء تطهيها على نار خفيفة"، و"كل واحد يا ستّي همّو ع قدّو".
المطبخ هو في الحقيقة الرواية الأدبيّة الشاهقة في نزواتها، والفستان المخمليّ المطرّز باللآلئ الصغيرة، والعمل المسرحيّ الذي يخفي الجروح والندوب والأحاديث الصامتة التي يتبادلها العشّاق ولا بدّ من أن يضطلع بدور طليعيّ في لائحة أولوياتنا.
المطبخ اللبناني هو الصورة الحضارية التي لا بد لنا من أن نتوسّل ببريقها المطعّم "بكم حبّة زيتون أسود" وصلصة الطحينة و"شي ما بينذكر من دبس الرمّان". المبدعون الرائعون الذين يضعون، حالياً، كل ثقلهم لتكون المنقوشة صلة الوصل بيننا وبين الحضارات، هم ثروات "منغلّط كتير" إذا غضضنا الطرف عنهم وعن قدرتهم على سرد حكايات البلد وتنهيدات "ستّي إم الياس" التي قد تكون في الحقيقة كل جدّة وأمّ وخالة وشقيقة روت سطور حبّها لعائلتها من خلال "اللحمة بعجين المجبولة بشويّة حرّ".