من الطائف إلى حكم الطوائف

من الطائف إلى حكم الطوائف
من الطائف إلى حكم الطوائف
Smaller Bigger

عاش لبنان منذ 23 أيار 1926 في ظل دستور أقرّه "مجلس تأسيسي" منتخب على درجتين في العام 1922، ووضعه المفوض السامي موضع التنفيذ.

وعلى امتداد ما يقارب القرن، لم يسجل تاريخ الجمهورية أيّ حدث، كبيراً كان أم صغيراً، ادّى الى الغاء هذا الدستور وإحلال بديل منه.

فلبنان انتزع استقلاله التام والناجز بتعديل للدستور أقره مجلس النواب في 8 تشرين الثاني 1943، أُلغِيَ بموجبه كل نص يتعلق بالانتداب الفرنسي، وتجريده من كل نصّ يتعلق بالانتداب.

وثورة 1958 لم تسفر عن قلب النظام وحتى عن تعديل الدستور، وانما اقتصرت نتيجتها على انتخاب رئيس جديد للجمهورية، هو الرئيس فؤاد شهاب.

كذلك الحرب الأهلية، التي دامت زهاء خمس عشرة سنة، لم تنتهِ بمؤتمر تأسيسي، وانما بلقاء نيابي عقد في مدينة الطائف، أقرّ وثيقة الوفاق الوطني، وتمّ بالاستناد اليها، تعديل الدستور القائم بموجب القانون الدستوري الصادر في 1990/9/21.

أما المؤتمر التأسيسي، الذي يطالب البعض بانعقاده من اجل اعتماد نظام سياسي جديد للحكم في لبنان، فلا مجال للدعوة اليه، في ظل دستور مرعيّ الاجراء، يتذرع جميع الأفرقاء بأحكامه، على رغم ان اكثر من فريق منهم يمعن في مخالفته.

ذلك ان المؤتمرات التأسيسية، التي انعقدت في بعض الدول، حصلت اثر حروب دامية او ثورات داخلية، كما جرى في فرنسا بعد ثورة 1789، وفي الجزائر في 20 ايلول 1962 بعد شهرين من استقلال هذه الدولة.

من هنا ان السبيل الوحيد لايجاد حلول للأزمات السياسية المتعاقبة التي عانى منها لبنان ليس، بالتأكيد، مؤتمراً تأسيسياً، وانما تشخيص الأسباب التي أدّت الى تلك الأزمات، واستنباط حلول لمعالجتها، والحؤول دون تكرارها.

ان اهمّ مظاهر تلك الأزمات السياسية تجلّت بعجز مجلس النواب عن انتخاب رئيس جديد للجمهورية عند خلو سدّة الرئاسة، وكذلك عجز رئيس الحكومة المكلف عن تأليف الحكومة بالتعاون مع رئيس الجمهورية.

فبالنسبة الى انتخاب رئيس الجمهورية، من المفترض في أي نظام برلماني، كالنظام اللبناني، ان ينتخب رئيس الجمهورية بأكثرية اصوات اعضاء المجلس النيابي، حتى ولو فرض الدستور أكثرية موصوفة في دورة أولى.

غير ان تفسيراً خاطئاً للمادة 49 من الدستور اتاح لأقلية في مجلس النواب تعطيل انتخاب رئيس الجمهورية بعدم حضورها جلسة الانتخاب، بحيث لم يتوافر فيها وفي ما تبعها من جلسات نصاب الثلثين، الذي فرضه التفسير الذي اعتمدته هيئة مكتب المجلس ولجنتا الادارة والعدل والنظام الداخلي في 16 آب 1982 للمادة 49.

والحقيقة ان ما من نصّ دستوري أثار جدلاً قانونياً بقدر ما أثارته المادة 49 المذكورة.