.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
بعد ستة عشر عاما أمضيتها في الولايات المتحدة عدت إلى لبنان من دون أن يفاجئني أن الأزمات التي كانت قائمة حين غادرت ما تزال عالقة حين عدت، وأن الوعود التي أطلقت للتغيير والتحديث وتنقية الدولة من الفساد وترشيد الإنفاق وترشيق الإدارة وايجاد مصادر دخل جديدة والعمل على إطفاء الدين العام لم تبدأ بعد.
وفي غمرة الأحداث التي يمر بها لبنان والشرق الأوسط، تذكرت كتابا للدكتور مناف منصور أصدره قبل ثلاثة وثلاثين عاما كأنه كان فيه يرى مستقبل المنطقة.
في مطلع العام 1986 صدر للدكتور مناف منصور كتاب "عقلية الحداثة العربية، البحث عن البعد الثالث" (منشورات مكتبة صادر، بيروت) ختمهُ بفصل عنوانه "الشرق الأوسط في العصر الطالع قارة الله أم قارة الدم"، امتد من الصفحة 271 إلى الصفحة 293. وكنت على علم بأن أساس هذا الفصل كان محاضرة ألقاها المؤلف في شباط من العام 1979 وأعاد النظر فيها في العام 1985 حين دفع الكتاب إلى الطباعة.
قبل ثلاثة وثلاثين عاما رأى الدكتور مناف منصور أن لبنان والشرق العربي والإسلامي أمام "مفترق"، مشيرا إلى أن لبنان سيبقى "بلد الأزمات المتقلبة" ما دام الأداء السياسي يعتمد على "المساومة المزاجية".
في منظوره السياسي أن السياسة عموما، والسياسة الاقتصادية خصوصا، لا بد من أن تجسدا أبعادا كبرى. وقد تجلى ذلك في العقدين الأخيرين من القرن العشرين حين "بدا العالم مع نهايات القرن الحالي منهكا خاويا يخاف الانتحار الآلي (توازن الرعب) أكثر مما يستعمق الشوق إلى تعمير المستقبل بدليل ما نتلمسه من موجات الانتقام وصراع العنف في الأفلام والموسيقى.
وبيّن الدكتور منصور أن مرحلة "الدعوات الوطنية" الناشئة في العالم العربي منذ قيام كيانات سايكس بيكو "شكلت مرحلة هدنة تاريخية" بين ما كان سائدا حتى نهاية الحرب العالمية الأولى وما أحذ يُعَدّ لانجرار المنطقة إلى منعطف انطبع بـ "إحياء الأصوليات الدينية" وانبثق في السبعينات مع دعوة الرئيس المصري آنذاك أنور السادات إلى إقامة "دولة العلم والإيمان". وقد أتت هذه الدعوة بمثابة الانتقال إلى إطفاء جذوة المد القومي العربي، وإلى سد الطريق أمام أمام الاندفاعة للبناء الوطني المدني داهل كل كيان بعد نصف قرن على تأسيس كيانات سايكس بيكو.