"الإصلاح أولاً..."

"الإصلاح أولاً..."
"الإصلاح أولاً..."
Smaller Bigger

منذ استقلال لبنان عام 1943، لم يتعرّض اقتصاده لإعادة الهيكلة في برنامج إصلاحي حقيقي. ففي الحقبة الممتدة من نهاية الحرب العالمية الثانية عام 1945 حتى عام 1975 استفاد لبنان من موقعه الجغرافي المميّز ونظامه الاقتصادي الليبرالي والمفتوح، ولم تستدع الحاجة القيام بإصلاحات اقتصادية جذرية رغم الإختلالات الاجتماعية والاقتصادية التي ظهرت في كيانه. وفي طبيعة الحال، لم تتوافر القدرة أو فرص الإستفادة من أي إصلاح اقتصادي خلال فترة الحرب الأهلية بين عامي 1975 و 1990. وعند إنتهاء الحرب، اعتمد الاقتصاد على برامج إعادة الإعمار وعلى تطوير النظام الاقتصادي المستند الى قطاع الخدمات لاستعادة نموّه وموقعه الاقتصادي في المنطقة. غير أن عملية التطوير هذه لم تكن كافية، إذ إفتقر لبنان إلى الأساسات الاقتصادية والسياسية اللازمة، مقارنةً بتلك التي نعمت بها بعض الدول الخليجية، وظهر ذلك جليّاً منذ بداية الحرب في سوريا عام 2011.

وعليه، إن مقاربة التطور في لبنان يجب أن تأتي تحت عنوان "الإصلاح أولاً..." لأنه المدخل الرئيسي لبناء الوطن والاقتصاد على أسسٍ سليمة. في الحقيقة، لم يعد بوسع الاقتصاد تحقيق حتى الحدّ الأدنى من الأداء، ولم يعد بوسع المصرف المركزي تحمّل المزيد من الأعباء والسياسات لكسب الوقت ودرء الأخطار المحدقة بالاقتصاد. والأهم من العنوان "الإصلاح أولاً..." هو أن يكون خلفه برنامج إصلاحي متكامل يرفع من إنتاجية الدخل للمواطن ومستوياته ويُصلح الإختلالات المالية والخارجية. وبالتحديد، يجب أن يتضمّن البرنامج إصلاحات ملحّة أهمها: الأولى، إصلاحات في المالية العامة وفي مرافق الدولة تحدّ من الهدر والفساد وترسّخ مقوّمات الحوكمة الرشيدة؛ الثانية، إصلاحات في البنية التحتيّة وبيئة الأعمال تعزّز الإستثمار والنموّ المُستدام؛ والثالثة، إصلاحات في القطاعات الإنتاجية والمزايا التنافسية للاقتصاد ترفع أداء الحساب التجاري والإحتياطات الأجنبية.