مؤلمة صوركم، تشبهُ مسح الجرح بالملح. غامضة ضحكاتكم. غريبة. غريب أمر عيونكم البريئة والمبتسمة.
هل كنتم تشعرون بالرحيل؟
هل كنتم تعلمون أنها الصورة الأخيرة؟
هل كنتم تظنّون أنّه الحوار الأخير؟
ماذا فعلتم بنا؟
مرّ علينا، في هذا الوطن الكئيب، أحداث على عدد شعر الرأس. أحداث تركت ما تركت، وحفرت ما حفرت، غير أنّ انفجار مرفأ بيروت خلّف في داخلنا دماراً هائلاً، جرف معه كلّ الأحداث السابقة، جعلها عابرة، وجعلنا نحن أجساداً متحرّكة بأرواح ميتّة تنتظر التشييع إلى المثوى الأخير.
هم شهداء انفجار مرفأ بيروت، شهداء الأحلام البسيطة، وشهداء الوطن الضائع. لعنة انفجار المرفأ التي لا زالت تلاحقنا إلى اليوم، أبت إلّا أن تُعيد فتح الجرح الذي لم يضمد بعد 15 يوماً. الوجع يحفر عميقاً مع رحيلك يا الياس. 15 يوماً كانت كفيلة بخطف أحلام 15 عاماً. أحلام عمرك الوردي.
الياس زار اليوم مدرسته للمرة الأخيرة. ودّع الرفاق والأساتذة. لم يستأذنهم للرحيل. غاب بصمت.
وسط التصفيق ونثر الورود والأرز، استُقبل الياس. حمل رفاقه النعش المغطى بالورود البيضاء، وجالوا به في أرجاء المدرسة، وأطلقوا بالونات بيضاء تحمل صفاته. كنت جميلاً يا الياس. جميلاً جدّاً.
وبصوت خافت، شكرت والدته رفاقه والمدرسة وكل من وقف بجانبهم في مصابهم الأليم، قائلة: "لا تنسوا الياس أبداً وأنا لن أنساكم أبداً".
ليس ذنبكَ يا الياس أن يحملك أصدقاء الدراسة على الأكتاف نعشاً بحفل التخرج الأخير، وليس ذنبكَ يا علي أنّك وعدت صديقك بـ"أكلة سمك"، ولا ولا ذنبكِ يا ألكسندرا يا "فراشة الثورة" أن تشيب أحلامك في وطن باهت بلا نور.
ولا ذنب أخ رالف أن يخسر حياته وسنده وأن يحرم من كلمة "خيّ". ولا ذنب والدة حمد "الحلو المليح" صاحب العيون العسلية أن تغمض هذه العيون. لا، الذنب ليس ذنب والدة جو أن ولدها من "زِلم الإهراءات"، ولا ذنب خطيب سحر أن يلبس بدلة العرس وحيداً، ويحضر تشييعها.
الذنب ليس ذنبكم جميعاً. هو ذنبنا. نحن الذين سكتنا على الجرح طويلاً وتركنا "أصحاب المقامات الرفيعة" يجعلون منّا نعوشاً مؤجلّة.
هل ننسى؟ من قال إنّنا سننسى... فأنتم، يا شهداء بيروت، ما عدتم ملك ذويكم فقط، بل أصبحتم مُلكنا الذين نقاتل كثيراً من أجل البقاء.
ومن اليوم إلى أن نستردّ حقّكم، ولو بقي لنا في هذا الوطن المتعب بيت واحد وحلم واحد، وصوت واحد، سيكون بيتكم وحلمكم وصوتكم الذي لن يستكين، حتى لو أفلت الوطن أيدينا بإرادته.
نبض