13 يوماً مرّت على انفجار المرفأ، كأنّ الفاجعة حصلت منذ دقائق. أعود إلى بيروت، باحثة عن معالم وذكريات. مشاهد لا تفارق الذاكرة ترافقها وكأنّها الظل. أصوات غرست قلبي، صوت جورج موسى في الفيديو "مالك كلّو دم"، تسجيل صوتي لديانا سكيني عبر "الواتساب" "فاطمة وين حدن شافها"... وأشياء أخرى يصعب عليّ تجاوزها إلى اليوم.
إنّها الساعة الحادية عشرة من صباح الاثنين 17 آب 2020. قررت النزول إلى مكان عملي في جريدة "النهار". لا أخفي على نفسي أوّلاً، وعلى الآخرين، كيف حاولتُ الهرب كثيراً من زيارة مكتبي تفادياً لمشاهد الخراب والدمار، وهرباً من عيون زملائي الذين عاشوا لحظات الرعب داخل جدران المبنى، أو ما تبقى منه الآن. تلك الوجوه التي ملأها الحزن، الوجع، والتشبّث بالأمل في آن. لم أودّ أن أرى جرح أحد منهم. كنت أهرب عمداً من الاستماع لقصة الفاجعة، وللأحداث التي حصلت معهم في تلك اللحظات الفظيعة.
فعلتها حقّاً، وتوجهتُ بخطى ثابتة إلى مدخل "النهار". لا نوافذ. عصف الانفجار اقتلع كلّ ما صادفه، وكأنّه جراد أبى إلّا أن يأكل الأخضر واليابس. المصعد معطّل، ما صعّب المهمّة. نحو الطابق السادس مشياً على الأقدام. بضربات قلب متسارعة سرتُ إلى مكتبي، توقّفتُ قليلاً قبل أن أدخل، نفسٌ عميق وتصنّع ابتسامة عريضة "صباح الخير، والحمدلله على سلامة الكل".
في تلك اللحظة، حاولتُ تمالك نفسي، حسناً لا أريد البكاء. في قلب كل منّا ما يكفيه من الألم. أين مكتبي؟ أين الكرسي؟ أين حاسوبي الذي رافقني لثلاث سنوات؟ أين النوافذ؟ حتى الستائر التي حجبت عنّا حرارة الشمس لساعات طويلة، أينها؟ معالم البيت تبدّلت في ثوانٍ.
لا شيء في مكانه، إلّا اللحظات الدافئة التي عشناها في زوايا الجريدة. تأملتُ وجوه زملائي واحداً واحداً. في خدوش الذين كانوا في الجريدة لحظة الانفجار، في جروحهم الخارجية والداخلية منها التي ربما يشفيها الوقت.
دخلتُ الكافيتريا، حيث كل شيء ثابتٌ في مكانه. "الحمدلله"، المكان الذي نستريح فيه من ضغوطات العمل قد سلم من الكارثة. تحدّثنا قليلاً أنا والأصدقاء، تناولنا القهوة معاً، وعزمنا على معاودة العمل من مكاتبنا، حيث الإصرار كلمة الثبات والصدق الأولى.
غادرتُ المبنى. بكيتُ كثيراً في طريق العودة. مشيتُ في الشوارع المحيطة به، والغصّة هي هي... لماذا؟ وإلى متى؟ ومن المسؤول؟ ما دمّره عصف الانفجار سيتم ترميمه مع الأيام، لكن نحن من يرمّم الخراب الذي بداخلنا؟
نبض