تركيا تريد مصر في "اتفاق مكة"... لماذا تقاوم القاهرة إغراء الأحلاف؟
أعادت التحولات المتسارعة التي شهدها الشرق الأوسط منذ هجوم 7 تشرين الأول/أكتوبر 2023 رسم حسابات دول المنطقة، ووضعتها أمام تحديات جيوسياسية متلاحقة. قبل ذلك، كانت التحولات تجري بوتيرة أبطأ، في ظل تحركات ديبلوماسية حدّت من الاندفاعة الإسرائيلية من جهة، وأتاحت للقوى الإقليمية هامشاً للتحرك وفق مصالحها من جهة أخرى. لكن تضارب هذه المصالح أبقى العلاقات بينها عرضة للتوتر والفتور.
ثم جاءت تداعيات الحروب الإسرائيلية وسقوط نظام بشار الأسد في سوريا لتعيد خلط الأوراق، وتدفع مصالح عدد من القوى الإقليمية إلى التقاطع عند هدف وقف التوسع الإسرائيلي.
وازداد المشهد تعقيداً مع حرب الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران وما خلّفته من أزمة اقتصادية عالمية. ودفعت هذه التطورات مجتمعة القوى الإقليمية من مرحلة تقاطع المصالح إلى البحث عن تكتلات وتحالفات عسكرية واقتصادية.
وسط هذه التحولات، تبدو مصر محاصرة جيوسياسياً بتحديات تمتد على أكثر من جبهة. شمالاً، يبرز تأمين منصات الغاز والبترول، وجنوباً الحرب في السودان وتبعات أزمة سد النهضة مع إثيوبيا. وفي الغرب، يستمر النزاع في ليبيا وحالة عدم الاستقرار التي تعيشها، فيما تأتي التحديات شرقاً من قطاع غزة وضرورة ضمان أمن البحر الأحمر.
ويشير وكيل المخابرات العامة المصرية الأسبق اللواء محمد رشاد إلى أن بلاده "تبذل جهوداً مضنية لتحقيق الاستقرار في جميع الجبهات التي تهدد الأمن القومي المصري".
ويشرح في حديث مع "النهار" أن من بين هذه الجهود تحقيق الاستقرار في غزة، ومنع التهجير خارج القطاع، وتشجيع إجراءات مجلس السلام. وفي ليبيا، تحاول مصر "توحيد القوة العسكرية والأمنية فيها، إلا أن الصراع على السلطة وانتشار الميليشيات يحدّان من هذه الجهود". ويرى أن الصراع على السلطة بات الهدف الرئيسي في ظل غياب سلطة حقيقية.
أما السودان، الذي يشكل عمقاً استراتيجياً لمصر، فيؤكد رشاد أن القاهرة "تدعم الشرعية فيه بجميع الوسائل الممكنة".
مصر وسياسة الأحلاف
وسط هذه الضغوط، برز خلال الشهر الجاري الإعلان عن "التحالف البحري الدفاعي" متعدد الجنسيات بقيادة السعودية، ثم تبعه اتفاق دفاع مشترك يضم السعودية وتركيا وباكستان.
وأثار التطور تساؤلات عن موقع مصر من هذه الترتيبات، إذ تشارك في التحالف الأول، فيما غابت عن الثاني.
ويقول رشاد إن "مصر تعارض الأحلاف، لكنها تشارك في إجراءات وليس تحالفات، لا سيما تأمين الملاحة في البحر الأحمر لوجود قوى أجنبية تهدد الملاحة فيه، خصوصاً بعد الوجود الإسرائيلي في أرض الصومال، والبحر الأحمر يعتبر شريان قناة السويس".
وينوّه إلى أن "التحالف الدولي" له هدف رئيسي يتمثل في "مقاومة إرهاب الميليشيات المتطرفة"، وأن الدول تسعى إلى القضاء عليه وتضعه ضمن أهدافها ذات الأهمية الكبيرة.
وكانت مصر والسعودية قد وقّعتا في أيلول/سبتمبر 2025 اتفاقية تعاون استراتيجي لدعم الأمن البحري وتعزيز النقل والملاحة في البحر الأحمر، ومواجهة التحديات والتهديدات المتزايدة في المنطقة، إلى جانب تبادل الخبرات بين القوات البحرية للبلدين وتشكيل فرق عمل مشتركة لتطوير النقل والموانئ.
ويميز وكيل المخابرات العامة المصرية الأسبق بين هذا الاتفاق والأحلاف الإقليمية، موضحاً أنه "اتفاق ثنائي لتأمين الملاحة في البحر الأحمر، كل في قطاعه، وليس حلفاً".

أنقرة تدفع نحو توسيع الاتفاق
وعلى خط شرق المتوسط، شهدت العلاقات التركية - المصرية نقلة متقدمة، وانتقلت بعد سنوات من القطيعة والنفور إلى علاقة استراتيجية وشراكة شاملة تشمل التعاون الأمني والدفاعي.
وقبل أيام، زار وزير الخارجية التركي هاكان فيدان مدينة العلمين شمالي مصر، وجدد رغبة بلاده في انضمام القاهرة إلى الاتفاقية الدفاعية المبرمة مع الرياض وإسلام آباد، لا سيما أنها تتمتع بعلاقات متميزة للغاية على المستوى الثنائي مع جميع الأطراف. في المقابل، أكد نظيره المصري بدر عبد العاطي أن "الاعتبارات القانونية والدستورية للخطوة" تخضع لدراسة معمّقة.
وفي هذا الإطار، يقول رشاد إن "تركيا تتمنى اشتراك مصر، مما يعطي هذا التحالف بعداً استراتيجياً، لكن لأن مصر ضد التحالفات فإن تركيا تحاول تليين الموقف من التحالفات التي ترفضها مصر". ويوضح أن القاهرة ليست طرفاً في أي تحالفات على المستوى الإقليمي أو الدولي، وأن "هذا يأتي ضمن استراتيجية تعاملاتها مع الدول المختلفة".
ويضيف رشاد أن لتركيا مصالح متعددة في مصر، في مقدمها الاستثمار الاقتصادي، وأن الزيارات التركية تأتي في سياق تعزيز العلاقات بين البلدين في مختلف المجالات.
نبض
