"لا أخاف الموت"... أحمد يختصر حكاية شباب تونس مع الهجرة
لم يكن أحمد يحلم يوماً بالعيش بعيداً عن تونس، عن أهله وحبيبته. في الثلاثين من عمره، يحمل شهادة في الميكانيك، وخلفه سنوات من البحث عن فرصة تتيح له بناء حياة عادية: عمل مستقر، زواج، وبيت صغير يجمعه بخطيبته التي ارتبط بها منذ تسع سنوات.
مرت السنوات، وجرّب أحمد أكثر من مهنة، لكن مشروع الزواج بقي مؤجلاً، فيما تحولت أوروبا في ذهنه إلى السبيل الوحيد للخلاص من واقع يصفه بأنه "بلا أفق".
يقول لـ"النهار": "الغربة في حد ذاتها ليست هدفي أو حلمي. لو وجدت عملاً ودخلاً في تونس يسمحان لي بالزواج ويمنحانني حياة بكرامة، فلن أفكر أبداً في الرحيل. كل ما أرغب فيه هو الهجرة وجمع المال، ثم العودة لبناء حياتي هنا بين أهلي".
رحلة انتهت قبل أن تبدأ
يروي أحمد تفاصيل محاولته الأولى لـ"الحرقة"، وهي التسمية العامية في تونس للهجرة غير النظامية. ولا يزال يستحضر الليلة التي اعتقد فيها أن حياته القديمة توشك على الانتهاء، وأن حياة أخرى ستبدأ على الضفة المقابلة للبحر المتوسط.
جمع 7 آلاف دينار (نحو 2500 دولار)، بمساعدة أفراد عائلته، لتأمين ثمن الرحلة على متن قارب متهالك، وانتظر موعد الإبحار مع مجموعة من الشبان.
لكن الرحلة انتهت قبل أن تبدأ. "نشب خلاف بين منظم الرحلة وقائد المركب بسبب الأحوال الجوية، واستقر الرأي على تأجيل موعدها"، يقول أحمد.
انتظر طويلاً مكالمة تخبره بالموعد الجديد، لكن من دون جدوى. وتحولت وعود الوصول إلى أوروبا إلى عملية احتيال خسر خلالها أمواله، فعاد مرة أخرى إلى نقطة الصفر.
مع ذلك، لم تدفعه التجربة إلى التراجع. على العكس، يقول إنه بات أكثر تصميماً على تكرار المحاولة حتى ينجح.
وعن شعوره في تلك الليلة، يقول: "كنت سعيداً لأن حلمي تحقق أخيراً، وكنت أشعر في الوقت نفسه بالخوف من هول الرحلة".

أزمة تتجاوز قصة أحمد
خلف قصة أحمد، قصص آلاف الشباب التونسيين الذين يحلمون بالهجرة هرباً من واقع اقتصادي واجتماعي صعب، في بلد لا تزال فيه البطالة مرتفعة، ولا سيما بين الشباب.
ولم تعد هجرة الشباب مرتبطة فقط بالرغبة في تحسين الدخل أو البحث عن فرص عمل في الخارج، إذ باتت تعكس أيضاً أزمة ثقة في المستقبل داخل البلاد.
وأظهرت أحدث بيانات المعهد الوطني للإحصاء أن نسبة البطالة في تونس بلغت 15.2 في المئة، وارتفعت بين الشباب الذين تراوح أعمارهم بين 15 و24 عاماً إلى 38.4 في المئة. كذلك، لم تعد الشهادة الجامعية جواز عبور مضموناً إلى سوق العمل، إذ بلغت البطالة بين حاملي الشهادات العليا 22.5 في المئة.
وأظهرت نتائج التعداد العام للسكان والسكنى لعام 2024 أن أكثر من 150 ألف تونسي غادروا البلاد خلال السنوات الخمس السابقة للتعداد للاستقرار في الخارج.
وتشير بيانات التعداد إلى أن عدد الشباب التونسيين الذين هاجروا بين عامي 2019 و2024 بلغ نحو 156 ألفاً و497، مقارنة بنحو 65 ألفاً و927 خلال الفترة الممتدة بين عامي 2010 و2014.
الهجرة ليست بالقوارب فقط
وفيما يلجأ كثيرون إلى الهجرة غير النظامية عبر البحر، تعددت خلال السنوات الأخيرة طرق المغادرة، بالتزامن مع تفاقم هجرة الأدمغة والكفاءات، ولا سيما في مجالات الطب والهندسة والتخصصات التقنية، وسط تحذيرات من انعكاساتها على قطاعات حيوية.
ويعزو خبراء هذه الظاهرة إلى عوامل عدة، بينها ضعف الأجور، وتراجع ظروف العمل، ومحدودية فرص التطور المهني والبحث العلمي.
وفي تصريحات حديثة، قالت عمادة المهندسين التونسيين إن تونس تخسر سنوياً نحو 46 ألف مهندس، فيما تشير أرقام أخرى إلى أن نحو 6 آلاف طبيب غادروا البلاد بين عامي 2021 و2024.
البحر لا يوقف الحلم
وبينما عززت تونس خلال السنوات الأخيرة تعاونها مع الاتحاد الأوروبي للحد من عمليات العبور عبر البحر المتوسط،لم يؤد تشديد الرقابة على الحدود إلى وقف محاولات المغادرة على متن القوارب المتهالكة.
ولا يزال البحر المتوسط، واحداً من أخطر مسارات الهجرة في العالم. ومع بداية عام 2026، سجلت المنظمة الدولية للهجرة مئات الوفيات وحالات الفقدان في المتوسط، وسط تحذيرات من أن الحصيلة الحقيقية قد تكون أكبر بكثير.
ووفق أرقام صادرة عن منظمات تُعنى بملف الهجرة، بلغ عدد المهاجرين التونسيين المفقودين في البحر نحو 10 آلاف شخص منذ عام 2011.
يعرف أحمد كل ذلك. ويعرف أيضاً أن رحلته المقبلة قد لا تنتهي في جزيرة لامبيدوزا الإيطالية كما يتمنى، لكنه لا يزال مصمماً على المقامرة بحياته أملاً في الوصول إلى الضفة الأخرى.
وحين نسأله للمرة الأخيرة إن كان مستعداً فعلاً للصعود إلى القارب، رغم كل ما يسمعه عن الغرق والموت، لا يتردد في الإجابة:
"نعم".
نبض