الجزائر ومالي تطويان الأزمة... هل يعود اتّفاق السّلام إلى الواجهة؟
بعد أشهر من التوتر، يشكل استئناف العلاقات الديبلوماسية بين الجزائر ومالي تطوراً لافتاً في مسار العلاقة بين البلدين، مع إعلان عودة السفيرين إلى مهامهما، في خطوة تأتي وسط تحديات أمنية متصاعدة في منطقة الساحل. ويعيد هذا الانفراج طرح التساؤلات بشأن مستقبل اتفاق الجزائر للسلام والمصالحة في مالي، الموقع عام 2015، بعدما أعلنت السلطات المالية مطلع عام 2024 انسحابها منه، وما إذا كانت عودة التواصل بين البلدين قد تفتح الباب أمام إحياء المسار السياسي الذي رعته الجزائر قبل نحو عقد.
عودة فرضتها الجغرافيا
يقول أستاذ العلوم السياسية في الجامعة الجزائرية الدكتور وديع مخلوف لـ"النهار" إن استئناف العلاقات يعكس "عودة الأمور إلى طبيعتها"، مشيراً إلى أن الروابط بين البلدين تتجاوز الخلافات الظرفية.
ويضيف أن "الجغرافيا والعلاقات التاريخية بين الجزائر ومالي تفرضان استمرار التنسيق، خصوصاً في ظل تشابك الملفات الأمنية والسياسية على الحدود المشتركة".
ويرى مخلوف أن التوتر الذي شهدته العلاقات خلال الأشهر الماضية تأثر، إلى حد كبير، بعوامل خارجية، لكنه يعتقد أن السلطات المالية "توصلت إلى قناعة بأن الجزائر تبقى الطرف الإقليمي الأكثر قدرةً على فهم التوازنات السياسية والعرقية والدينية داخل مالي، ما يجعلها شريكاً لا يمكن تجاوزه في أي مسار يهدف إلى استقرار البلاد".
ويشير إلى أن الجزائر ظلت تؤكد، على لسان وزير الخارجية أحمد عطاف، تمسكها بوحدة الأراضي المالية وسيادتها، وهو موقف تقول الجزائر إنه يمثل إحدى ثوابت سياستها الخارجية.

اتفاق 2015 بين المرجعية والواقع
رغم الانفراج الديبلوماسي، يرى محللون أن الطريق إلى إعادة تفعيل اتفاق الجزائر للسلام لا يزال معقداً.
فالاتفاق الذي وقع عام 2015 بين الحكومة المالية والحركات المسلحة في شمال البلاد، ظل لسنوات الإطار السياسي الرئيسي لمعالجة النزاع، قبل أن تعلن السلطات المالية انسحابها منه، معتبرةً أنه لم يعد ينسجم مع الواقع السياسي والأمني الجديد.
لكن مخلوف يرى أن الاتفاق، رغم تعثره، لا يزال يمثل "مرجعاً سياسياً" يمكن البناء عليه.
ويقول إن تراجع مسار المصالحة "انعكس سلباً" على الوضع الداخلي في مالي، مع استمرار التحديات الأمنية واتساع رقعة العنف، مضيفاً أن إعادة إطلاق حوار يستند إلى المبادئ التي قام عليها اتفاق الجزائر "قد تشكل مدخلاً لاستعادة الاستقرار".
من جانبه، يرى المحلل السياسي جيلالي كرايس أن العلاقات بين الجزائر ودول الساحل تقوم، في المقام الأول، على "اعتبارات أمنية واستراتيجية".
ويقول لـ"النهار" إن منطقة الساحل "تعيش حالة من الهشاشة الأمنية، ما يجعل التنسيق مع الجزائر، باعتبارها قوة إقليمية تمتلك خبرة طويلة في مكافحة الإرهاب، ضرورةً بالنسبة إلى دول المنطقة".
ويضيف أن الجزائر لعبت، منذ توقيع اتفاق 2015، دور الوسيط في الملف المالي، وأن السلطات في باماكو تدرك أهمية هذا الدور، رغم الخلافات التي برزت خلال الفترة الماضية.
ويرى كرايس أن "التدخلات الخارجية في منطقة الساحل ساهمت في تعقيد العلاقات بين البلدين"، لكنه يعتبر أن الحكومة المالية خلصت إلى أن استمرار التوتر مع الجزائر لا يخدم مصالحها، و"هو ما يفسر المبادرة إلى إنهاء الأزمة، واستجابة الجزائر لذلك".
انعكاسات تتجاوز البلدين
يرى محللون أن استئناف العلاقات لا يقتصر أثره على الجزائر ومالي، بل قد ينعكس على مجمل منطقة الساحل التي تواجه تحديات أمنية متزايدة.
ويمثل استقرار مالي أولوية أمنية بالنسبة إلى الجزائر، نظراً إلى امتداد الحدود المشتركة بين البلدين لأكثر من 1300 كيلومتر، وما يرافق ذلك من تحديات مرتبطة بالإرهاب والجريمة المنظمة والهجرة غير النظامية.
وفي المقابل، تحتاج مالي إلى إعادة فتح قنوات التعاون مع أحد أبرز الفاعلين الإقليميين القادرين على لعب دور الوساطة، خصوصاً في ظل استمرار التوترات الداخلية وتعثر جهود التسوية السياسية.
ورغم أن استئناف العلاقات الديبلوماسية لا يعني تلقائياً إعادة العمل باتفاق الجزائر، فإن محللين يرون أنه قد يوفر أرضية لاستئناف الحوار بشأن مستقبل التسوية في مالي.
ويعتقد كرايس أن الجزائر "ستواصل الدفع نحو حل سياسي يحافظ على وحدة الأراضي المالية ويحد من مخاطر اتساع الصراع، انطلاقاً من قناعة بأن استقرار مالي ينعكس مباشرة على أمنها القومي".
أما مخلوف، فيرى أن أي مقاربة جديدة "ينبغي أن تجمع بين الأمن والتنمية، عبر إطلاق مشاريع اقتصادية تعزز التكامل الإقليمي وتوفر بدائل عن استمرار النزاعات المسلحة".
يصعب الجزم بأن عودة العلاقات الديبلوماسية ستقود إلى إحياء اتفاق الجزائر للسلام، لكنها تمثل خطوة مهمة نحو إعادة بناء الثقة بين البلدين، وقد تفتح نافذة جديدة أمام جهود التسوية في منطقة لا تزال تعيش على وقع تحديات أمنية وسياسية متشابكة.
نبض