"ممنوع شرعاً"… ماذا عن قدرات الذكاء الاصطناعي في تفسير القرآن؟
حظيت فتوى صادرة عن دار الإفتاء المصرية، أخيراً، بانتشار كبير وأثارت سجالات واسعة، إذ أفادت بأن استخدام تطبيقات الذكاء الاصطناعي في تفسير القرآن "ممنوع شرعاً". وجاءت الفتوى رداً على سؤال هذا نصّه: "ما حكم الاعتماد على تطبيقات الذكاء الاصطناعي كـ(شات جي بي تي) في تفسير القرآن الكريم؟".
ورغم أن الفتوى تناولت الجانب الشرعي من المسألة، فإن الجانب التقني ظل محل اهتمام شريحة غير قليلة من المصريين، لا سيما منهم من يثقون بالتقدم العلمي وتكنولوجيا المعلومات، ويرون أن نماذج الذكاء الاصطناعي مرشحة لبلوغ مستوى قريب من الذكاء البشري، وربما تجاوزه مستقبلاً.
وفي هذا السياق، تقول خبيرة الذكاء الاصطناعي والمحاضِرة في أكاديمية ناصر العسكرية الدكتورة رحاب الرحماوي، في تصريح لـ"النهار"، إن "تفسير القرآن لا يحتاج إلى ذكاءٍ أكبر، بقدر ما يحتاج إلى مسؤولية أعمق، وهي صفة لا يمكن برمجتها". وتضيف: "قد ينجح الذكاء الاصطناعي في تحليل النصوص، لكنه لا يستطيع تحمّل تبعات المعنى. فعندما ينفصل المعنى عن المسؤولية، يفقد النص قدسيته مهما بلغت دقة تفسيره، لأن أخطر ما في التفسير ليس الخطأ ذاته، بل غياب من يُسأل عنه".
لبس محتمل
وبالعودة إلى نص الفتوى الأصلي، يتضح أن ثمة لبساً وقع لدى البعض، إذ أكدت دار الإفتاء بشكل صريح أن المنع يقتصر على "الاعتماد الكلي" على تطبيقات الذكاء الاصطناعي، من دون أن يشمل الاستخدام الجزئي أو المساعد.
وجاء في نص الفتوى:
"إن الاعتماد الكلي على تطبيقات الذكاء الاصطناعي كـ(شات جي بي تي) في تفسير القرآن الكريم أمرٌ ممنوع شرعاً، ولا تُتلقى معانيه منها استقلالاً؛ صيانةً لكتاب الله تعالى عن الظن والتخمين، وحفظاً له من أن يُتداول تفسيره بغير علم، أو يُنسب إليه ما لم يثبت عن أهله، وقصراً للخوض في معانيه على من تحققت فيهم أدوات التفسير وضوابطه المعتبرة من المفسرين والفقهاء".
واختتمت الدار فتواها بالتأكيد على "وجوب الرجوع في تفسير آيات القرآن الكريم وفهم معانيه إلى كتب التفسير المعتمدة، أو بسؤال أهل العلم والمؤسسات الدينية المختصة، صوناً لكتاب الله وتحرياً للفهم الصحيح القائم على العلم والأمانة والمعرفة".
كذلك، قال أمين الفتوى في دار الإفتاء الدكتور مصطفى عبد الكريم، في مداخلة إعلامية، إن "أداة الذكاء الاصطناعي قد تقدم إجابة عند سؤالها في التفسير، لكنها قد تغيّر جوابها بما ينسجم مع رأي المستخدم إن لم يقتنع به، وهو ما يطرح إشكالية منهجية واضحة".
حدود التكنولوجيا
وترى الدكتورة رحاب الرحماوي أن "الإشكالية الحقيقية لا تكمن في أن الذكاء الاصطناعي لا يفهم القرآن، بل في أن تفسير القرآن لا يقوم على الفهم وحده". وتوضح أن "التفسير فعل معرفي مركّب، له أبعاد دينية وأخلاقية واجتماعية، وليس مجرد تحليل لغوي أو نصي".
وتقول الرحماوي لـ"النهار: "المفسّر لا يقدّم معنى فحسب، بل يساهم في تشكيل وعي، وتوجيه سلوك، وترسيخ مفاهيم قد يترتب عليها حلال وحرام، وصواب وخطأ. وهنا يكمن الفارق الجوهري".
وتتابع: "مهما بلغ تطور الذكاء الاصطناعي، فإنه لا يتحمل مسؤولية ما ينتجه من معانٍ، ولا يُحاسب على الخطأ، ولا يتحمل تبعات التأويل. صحيح أنه قادر تقنياً على جمع التفاسير ومقارنتها وتحليل البنية اللغوية بدقة عالية، لكنه يظل أداة تحليل، لا جهة اجتهاد، ولا كياناً مكلفاً أو مسؤولاً أخلاقياً".
وتخلص إلى أن "رفض الاعتماد على الذكاء الاصطناعي في تفسير القرآن لا يستند إلى اعتبارات دينية فحسب، بل ينسجم أيضاً مع حدود التكنولوجيا ذاتها. فالنص المقدس لا يتحمل معنى يصدر عن كيان لا يتحمل مسؤوليته، لأن المعنى حين ينفصل عن المسؤولية، يفقد أمانته وأثره الصحيح".
نبض