ميناء العقبة الأردني... من مكاسب هرمز إلى مأزق باب المندب
بينما يشهد الإقليم إعادة رسم خريطة الملاحة البحرية على وقع التوترات الجيوسياسية المستمرة، لا سيما في ما يتعلق بـمضيق هرمز، استطاع ميناء العقبة جنوبي الأردن أن يتجاوز دوره التقليدي كمنفذ محلي، ليتحول إلى "طوق نجاة" لوجستي ورئة إقليمية بديلة لسلاسل الإمداد المعقدة.
وبرز ذلك مع تصاعد المخاطر الأمنية التي تحيط بالممرات المائية في المنطقة، جراء حرب إيران وتداعياتها، إذ نجحت العقبة، المعروفة بـ"عروس البحر الأحمر"، في تقديم نموذج استباقي للممرات الآمنة، مكرسة مكانة الأردن كحلقة وصل استراتيجية لربط تجارة الخليج والعراق بأسواق العالم وشمال أفريقيا.
ومع ذلك، فإن طريق هذا الصعود اللوجستي لميناء العقبة لا يبدو معبداً بالورود، إذ يقف الميناء اليوم في مواجهة مباشرة مع تجاذبات حرب الممرات عند بوابة البحر الأحمر الجنوبية. فبينما منحت أزمات الملاحة في مضيق هرمز الميناء دوراً ريادياً كبديل آمن لأسواق عدة في المنطقة، جاءت التطورات العسكرية الأخيرة والسيطرة الميدانية لـالحوثيين في اليمن على مواقع وجزر استراتيجية عند مضيق باب المندب، لتفرض تحدياً استراتيجياً مقلقاً وضغوطاً إضافية على حركة الشحن.
ووضعت الحكومة الأردنية خطة للتعامل مع أي تطورات في باب المندب، تقوم على ثلاثة مسارات بديلة لضمان استمرار سلاسل الإمداد والتشغيل في حال إغلاق المضيق، تشمل استخدام الموانئ السورية للنقل إلى الأردن، واستخدام موانئ بديلة أخرى لنقل البضائع إلى المملكة، إضافة إلى استخدام الخط البري من أوروبا عبر تركيا وسوريا إلى الأردن.

نمو غير مسبوق
وسجل ميناء العقبة الرئيسي خلال الأشهر الأخيرة نمواً غير مسبوق في حجم العمل، إذ بلغت الكميات المناولة خلال حزيران/يونيو نحو 1.361 مليون طن، مقارنة بـ677 ألف طن خلال الشهر نفسه من عام 2025، ما يعني أنها تضاعفت تقريباً. كما ارتفعت الكميات المناولة خلال آب/أغسطس إلى نحو 1.503 مليون طن، مقابل 1.018 مليون طن خلال الشهر ذاته من العام الماضي، بنسبة زيادة قاربت 48%.
أما عدد الشاحنات التي تعامل معها الميناء منذ بداية العام وحتى نهاية آب، فبلغ نحو 129 ألف شاحنة، مقارنة بـ85.5 ألف شاحنة خلال الفترة نفسها من عام 2025، بزيادة تقارب 43.5 ألف شاحنة ونسبة نمو بلغت نحو 51%.
وبحسب ما يؤكد لـ"النهار" مدير عام شركة العقبة لإدارة وتشغيل الموانئ الدكتور محمود خليفات، فإن التحول في مسارات التجارة انعكس في زيادة ملموسة في أحجام المناولة وحركة الشاحنات بميناء العقبة، لكنه وضع في الوقت ذاته ضغوطاً إضافية على ساحات الميناء وبواباته وسلسلة الخدمات اللوجستية.
ويوضح خليفات أن التعامل مع هذه الزيادة استدعى اتخاذ إجراءات لرفع الطاقة التشغيلية، وتوفير مساحات إضافية للحاويات الفارغة وحاويات الترانزيت، وتسريع إخراج الحاويات غير المطالب بها، وتقليل مدة مكوثها داخل الميناء.
ويضيف أن التحدي التشغيلي الأبرز يتمثل في مواكبة النمو المتسارع في حركة الحاويات والترانزيت والشاحنات، مع الحفاظ على انسيابية العمليات ومنع انتقال الازدحام من ساحات الميناء إلى البوابات والساحات اللوجستية الخارجية.
كما يشير خليفات إلى أن ذلك يتطلب رفع جاهزية المعدات والكوادر، وتكثيف برامج الصيانة الوقائية، وتنظيم حركة الشاحنات، إلى جانب استمرار العمل على مدار الساعة بما يضمن سرعة إنجاز عمليات المناولة وسلامة العاملين والممتلكات.
ويؤكد أن مؤشرات النمو تعكس قدرة ميناء العقبة على التعامل بكفاءة مع الزيادة الكبيرة في حركة البضائع والسفن، وتعزز مكانته محلياً ودولياً، خصوصاً في سرعة المناولة وانسيابية البضائع والمحافظة على استمرارية سلاسل التزويد.
ورغم ارتباط جزء من هذه القفزة في الأرقام بالظروف الإقليمية وتحول مسارات التجارة، فإن خليفات يلفت، في المقابل، إلى أن التوسع في البنية التحتية والساحات والخدمات اللوجستية وتحديث المعدات يمكن أيضاً أن يحول النمو الاستثنائي إلى مكاسب مستدامة، ويكرس العقبة خياراً دائماً للتجارة والترانزيت، بدلاً من كونه مساراً موقتاً فرضته الأزمة.

ماذا يعني إغلاق باب مضيق باب المندب؟
وبالعودة إلى مضيق باب المندب، يقول الخبير الاقتصادي الدكتور إبراهيم النعيمات لـ"النهار" إن نحو 30% من تجارة الأردن الخارجية، استيراداً وتصديراً، تمر عبر المضيق، فيما تتجاوز قيمة الصادرات الأردنية التي تعبره ملياري دولار. وتشكل منتجات الصناعات الكيماوية والتعدينية، وفي مقدمتها الفوسفات والبوتاس والأسمدة، نحو 92% من هذه الصادرات المتجهة إلى أسواق آسيوية رئيسية، مثل الهند والصين وإندونيسيا.
ويشير النعيمات إلى أن إغلاق المضيق سيهدد مباشرة نحو 54% من إجمالي صادرات الأردن من الأسمدة، فضلاً عن تداعياته على بقية القطاعات المرتبطة بالأسواق الآسيوية.
ويحذر من أن الإغلاق سيؤدي إلى اضطراب سلاسل التوريد وارتفاع حاد في تكاليف الشحن والتأمين والوقود، نتيجة اضطرار السفن إلى سلوك مسارات أطول، من بينها الالتفاف حول رأس الرجاء الصالح. ومن شأن ذلك أن يرفع كلف الإنتاج المحلي وأسعار السلع التموينية والاستهلاكية، ويزيد الضغط على المخزون الاستراتيجي من الغذاء والسلع الأساسية، على أن تتفاقم التداعيات كلما طال أمد الإغلاق.
وعن تأثير الأزمة على ميناء العقبة، يوضح النعيمات أن الميناء سيتأثر بصورة مباشرة، باعتباره المنفذ البحري الوحيد للأردن، ولارتباط جزء مهم من حركته التجارية بالأسواق الآسيوية عبر البحر الأحمر وباب المندب. إلا أن ذلك لا يعني توقف الميناء كلياً، إذ ستظل التجارة مع الأسواق الأوروبية والمتوسطية عبر قناة السويس ممكنة، في حين ستواجه حركة التجارة مع آسيا تأخيرات كبيرة وارتفاعاً في الكلف، إلى جانب احتمال تراجع عدد الرحلات البحرية.
ويرى أن مواجهة أي إغلاق محتمل تتطلب تفعيل خطة طوارئ تشمل تنويع طرق ومنافذ الاستيراد والتصدير، واستخدام موانئ بديلة في البحر المتوسط والخليج العربي وربطها بالأردن عبر النقل البري، إضافة إلى رفع مستوى المخزون الاستراتيجي، والتعاقد المبكر مع شركات الشحن، وتقديم تسهيلات للقطاعات التصديرية الأكثر تضرراً، مع تعزيز التنسيق بين الحكومة وسلطة منطقة العقبة وشركات الملاحة والنقل.
نبض