قاليباف في بغداد... هرمز وسلاح الفصائل في حقيبة المفاوض الإيراني
تأتي زيارة رئيس مجلس الشورى الإيراني محمد باقر قاليباف إلى بغداد، التي بدأها اليوم، وتستمر يومين، في توقيت بالغ الحساسية للعراق وإيران والمنطقة، في ظل تداعيات الحرب والتوتر بين طهران وواشنطن، والاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة في مضيق هرمز، والضغوط الأميركية المتزايدة على الفصائل العراقية المسلحة المرتبطة بطهران.
وتتقاطع على طاولة المحادثات ملفات مستقبل سلاح الفصائل، وأمن الحدود ونشاط المعارضة الإيرانية المسلحة في إقليم كردستان، إلى جانب الطاقة والتجارة. وتكتسب الزيارة ثقلاً إضافياً من كون قاليباف يرأس فريق التفاوض الإيراني مع الولايات المتحدة، ما يمنح محادثاته في بغداد بعداً يتجاوز العلاقات البرلمانية التقليدية.
ومن العاصمة العراقية، أعلن قاليباف أن زيارته تستهدف اتخاذ "خطوات عملية وكبيرة" لترسيخ الأمن الذاتي والمشترك بين العراق وإيران وتحقيق رفاه الشعبين، فيما تؤكد مصادر لـ"النهار" أن الملفات الأمنية تحتل حيزاً أساسياً من المحادثات.
ويأتي ذلك وسط نقاش عراقي متصاعد بشأن مستقبل السلاح خارج إطار الدولة، فيما تواجه الفصائل المسلحة الحليفة لطهران ضغوطاً أميركية متزايدة بشأن دورها العسكري والسياسي. ويضع هذا الواقع ملف حصر السلاح وتنظيم العلاقة بين الدولة والفصائل في صلب أي نقاش عراقي – إيراني بشأن المرحلة المقبلة.
هرمز والنفط العراقي
يحضر مضيق هرمز بقوة في حسابات بغداد، بعدما أدى اضطراب الملاحة في هذا الممر الحيوي إلى توقف صادرات النفط العراقية، التي يمر الجزء الأكبر منها عبر موانئ الجنوب وصولاً إلى الأسواق العالمية.
وتكشف الأزمة مدى حساسية الاقتصاد العراقي تجاه أي انقطاع في صادرات الخام. واضطرت بغداد خلال الأشهر الماضية إلى البحث عن منافذ بديلة، بينها التوجه نحو الموانئ السورية، فيما تحدثت اللجنة المالية النيابية عن حاجة العراق إلى أكثر من 7 تريليونات دينار لتأمين رواتب الموظفين، في ظل الضغوط التي فرضتها أزمة هرمز على الوضع المالي.
وبحسب مصادر "النهار"، فإن "ملف السماح باستمرار حركة السفن النفطية العراقية عبر هرمز سيكون واحداً من أكثر الملفات ارتباطاً بالمصالح المباشرة لبغداد وطهران في آن واحد".
وتسعى بغداد إلى ضمان استمرار صادراتها ومنع تحول الأزمة الإقليمية إلى أزمة مالية طويلة الأمد، بينما تتمسك إيران بمواقفها بشأن المضيق في خضم أزمتها مع واشنطن، وتؤكد أن إغلاقه مرتبط بتنفيذ شروط الاتفاق الموقت مع الولايات المتحدة، التي تقول بدورها إن الممر مفتوح وآمن.

أمن الحدود والمعارضة الإيرانية
ويعود إلى الواجهة أيضاً الاتفاق العراقي – الإيراني الخاص بأمن الحدود، الموقع في آذار/مارس 2023، لمعالجة نشاط الجماعات الكردية الإيرانية المعارضة الموجودة في إقليم كردستان.
وينص الاتفاق، بحسب بغداد، على منع استخدام الأراضي العراقية لشن هجمات على إيران، وتسليم المطلوبين وفق القانون، ونزع سلاح الجماعات المسلحة وإزالة معسكراتها ونقل عناصرها بعيداً من الحدود.
وفي أيلول/سبتمبر 2023، أعلنت الحكومة العراقية إخلاء مواقع تلك الجماعات ونزع سلاحها ونقل عناصرها بعيداً من الشريط الحدودي بالتنسيق مع حكومة إقليم كردستان.
وبحسب مصادر "النهار"، سيحضر الملف في مباحثات قاليباف في ضوء التطورات الأمنية الأخيرة في إقليم كردستان، وخصوصاً هجمات بطائرات مسيرة استهدفت مواقع وشخصيات في أربيل، بينها مكتب رئيس حكومة الإقليم مسرور بارزاني ومنزل رئيس جهاز الأمن والاستخبارات. واتهم إقليم كردستان إيران بالوقوف خلف الهجمات، فيما نفت طهران ذلك رسمياً.
الطاقة والتجارة تحت ضغط العقوبات
وإلى جانب الملفات الأمنية، يحمل قاليباف إلى بغداد ملفات اقتصادية تشمل التجارة والطاقة والغاز والكهرباء وتسوية الالتزامات المالية وآليات استمرار التعاون في ظل العقوبات الأميركية على إيران، بحسب المصادر.
ويعتمد العراق على الغاز الإيراني لتشغيل جزء مهم من منظومة إنتاج الكهرباء، فيما تمثل التجارة الحدودية مصلحة مشتركة للبلدين، رغم القيود المالية والعقوبات التي تعقّد التعاملات وتفرض على بغداد البحث عن ترتيبات تجنبها العقوبات الثانوية.
ويقول عضو لجنة العلاقات الخارجية في البرلمان العراقي مختار الموسوي لـ"النهار" إن "زيارة قاليباف لا تقتصر على الجانب البرلماني، وإنما تحمل أبعاداً سياسية وأمنية واقتصادية، خصوصاً في ظل التوتر المتصاعد في المنطقة وتداعيات الأزمة بين إيران والولايات المتحدة، وما يرافقها من انعكاسات على العراق".
ويضيف أن "العراق معني بشكل مباشر بأي تطورات أمنية أو سياسية تجري في محيطه"، مشيراً إلى أهمية الحوار مع إيران في حماية أمن العراق وسيادته ومنع استخدام أراضيه لاستهداف دول الجوار وتجنيبه تداعيات الصراعات الإقليمية والدولية.
وبحسب الموسوي، سيشمل البحث متابعة تنفيذ الاتفاق الأمني بين البلدين، إلى جانب الطاقة والتبادل التجاري، في وقت يسعى العراق إلى "بناء علاقات متوازنة مع جميع دول المنطقة والمجتمع الدولي" وعدم الانجرار إلى محاور الصراع.
بغداد بين طهران وواشنطن
تضع الزيارة أمام بغداد مجموعة مترابطة من الملفات الحساسة. فإيران تسعى إلى حماية أمنها الحدودي والحفاظ على نفوذها داخل العراق، فيما تريد بغداد حماية صادراتها النفطية وتثبيت سيادتها على قرارها الأمني وضمان استمرار إمدادات الطاقة والتجارة، وسط المواجهة بين طهران وواشنطن.
لذلك، ستتحدد أهمية زيارة قاليباف بمدى ما تنتجه من تفاهمات عملية في ملفات أمن الحدود وسلاح الفصائل وحركة النفط العراقي والطاقة والتجارة، وبقدرة بغداد على إدارة علاقتها مع طهران من دون تحمل كلفة صراعها مع واشنطن.
نبض