واشنطن تفتح معركة القواعد الروسية... مشروع ويلسون بداية تفكيك نفوذ موسكو في سوريا
تفتح واشنطن، للمرة الأولى منذ سنوات، ملف القواعد الروسية في سوريا بوصفه جزءاً من حساب سياسي جديد يتجاوز الساحل السوري. فموافقة لجنة القوات المسلحة في مجلس النواب الأميركي على تعديل قدّمه النائب الجمهوري جو ويلسون لا تحسم مصير الوجود الروسي في حميميم وطرطوس، لكنها تنقله من هامش النقاش إلى مسار مؤسسي داخل البنتاغون. ويطلب التعديل من وزارة الحرب إعداد تقرير بشأن خطط تقليص نفوذ روسيا أو تأمين انسحاب قواتها من القاعدتين، بما يحوّل وجودها العسكري في سوريا إلى ملف أميركي دائم، لا إلى إرث متروك من عهد السلطة السابقة في دمشق.
الوجود الروسي يدخل الحسابات الأميركية
أهمية الخطوة لا تكمن في أثرها التنفيذي المباشر، بل في وظيفتها السياسية. فللمرة الأولى، يدخل الكونغرس الوجود الروسي في سوريا في خانة التهديدات المحتملة للمصالح الأميركية، لا في خانة الإرث السياسي لبشار الأسد وحده. ويشمل ذلك تقييم ما إذا كانت القواعد الروسية تشكل خطراً على قاعدة إنجرليك في تركيا، أو تعمل كمراكز لوجستية لدعم وكلاء إيران، أو تُستخدم في نقل وتجنيد مقاتلين إلى حرب أوكرانيا، إضافة إلى توثيق دور موسكو في دعم القمع خلال سنوات الحرب.
وفق ذلك، تدخل دمشق قلب معادلة جديدة. فـالولايات المتحدة لا تفصل، على ما يبدو، ملف القواعد الروسية عن مسار تأهيل السلطة السورية الجديدة. وقد منحت واشنطن دمشق إشارات متقدمة، من تخفيف العزلة وفتح قنوات سياسية وأمنية، إلى خطوات تتصل بتصنيف الإرهاب والعقوبات. وهذه التسهيلات تصنع معادلة واضحة، فكلما تقدم مسار الانفتاح الغربي، ارتفعت كلفة الغموض في العلاقة العسكرية مع موسكو.
ويصبح تعديل ويلسون أكثر من موقف ضد روسيا. إنه جزء من محاولة أوسع لإدخال سوريا في ترتيب غربي – إقليمي جديد، يصبح فيه شكل العلاقة مع موسكو بنداً من بنود إعادة التأهيل. وزيارة الرئيس السوري أحمد الشرع المرتقبة إلى واشنطن ليست حدثاً بروتوكولياً معزولاً، فيما تضيف تصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب عن دور سوري محتمل في لبنان طبقة أخرى إلى هذا المسار. وعند هذه النقطة، تتحول القواعد الروسية إلى جزء من معادلة تمتد من لبنان وإيران إلى تركيا وأوكرانيا.
معركة على الوظيفة
ما تريده واشنطن لا يبدو إخراجاً روسياً فورياً بقدر ما هو تحويل هذا الوجود إلى ملف تفاوضي مع السلطة السورية الجديدة. وتريد الإدارة الأميركية قياس اتجاه دمشق: هل تبقى العلاقة مع موسكو توازناً اضطرارياً موقتاً، أم تتحول إلى قيد على انخراط سوريا في الترتيب الغربي الجديد؟ وبناء على ذلك، تبدأ معركة القواعد الروسية كمعركة سياسية على تعريف وظيفة هذا الوجود، قبل أن تكون معركة على إزالته.
والتوقيت ليس معزولاً عن المشهد الدولي. فالحرب في أوكرانيا دفعت الغرب إلى تضييق هوامش الحركة الروسية خارج حدودها، فيما ترى أوروبا أن أي تموضع روسي خارج البحر الأسود يدخل في أمن المتوسط، لا في الملف السوري وحده. لذلك لا تُقرأ حميميم وطرطوس، في العواصم الغربية، كقاعدتين روسيتين على الأراضي السورية فحسب، بل كبوابتين محتملتين لحركة تمتد من المتوسط إلى أفريقيا وأوكرانيا.
لكن الحساب الأميركي يصطدم بتعقيدات إقليمية. فقد سبق لإسرائيل أن دفعت باتجاه إبقاء القواعد الروسية في سوريا، لا دفاعاً عن موسكو، بل لموازنة النفوذ التركي في دمشق. ورأت تل أبيب أن وجوداً روسياً محدوداً قد يمنع تحوّل سوريا إلى مساحة نفوذ تركية صافية. غير أن هذه المقاربة لا تتطابق بالضرورة مع رؤية واشنطن، التي قد ترى في الدور التركي جزءاً من ترتيب أطلسي قابل للإدارة، بخلاف النفوذ الروسي أو الإيراني، خصوصاً إذا اقترن بسلطة سورية قادرة على ضبط الحدود والملف اللبناني.
دمشق بين موسكو والانفتاح الغربي
في المقابل، تتمسك موسكو بما تبقى من حضورها السوري. وإعادة إمداد قاعدة حميميم عبر طرطوس شكّلت إشارة واضحة إلى أن سقوط السلطة السابقة لم يغلق ملف القواعد. ومع تقلص انتشارها داخل سوريا، تحاول روسيا تثبيت وجود أكثر تركيزاً على الساحل، حيث تحمل طرطوس قيمة جيوسياسية تتجاوز سوريا نفسها، فهي منفذ إلى المتوسط، وورقة في مواجهة "الناتو"، ونقطة اتصال مع شبكاتها في أفريقيا.
أما دمشق، فحاولت خلال الأشهر الماضية إدارة هذا التعقيد بخطاب توازن. ففي لندن، تحدث الشرع عن تحويل القواعد الروسية إلى مراكز تدريب للجيش السوري، رابطاً ذلك بالعلاقات التاريخية مع موسكو وبسياسة تنويع الشراكات. وهذه الصيغة تمنح دمشق وقتاً، لكنها لا تلغي المعضلة. فسوريا لا تزال تحتاج إلى روسيا في النفط، وربما في قطع الغيار والتسليح وصيانة جزء من العتاد العسكري، وتحتاج في الوقت نفسه إلى واشنطن وأوروبا لرفع العزلة وجذب الاستثمار وترميم الشرعية الدولية.
وتبدو معركة إخراج القوات الروسية أقرب إلى تضييق تدريجي على وظيفة هذا الوجود، لا إلى صدام مباشر. فواشنطن تريد نقل النقاش من سؤال البقاء أو الخروج إلى شروط البقاء: حجمه، ووظيفته، وعلاقته بالسيادة السورية، ومدى قابليته للرقابة. وكلما تقدم مسار التقارب مع الغرب، ستجد دمشق نفسها مطالبة بإجابات أوضح.
لا يملك تعديل ويلسون وحده إنهاء الوجود الروسي في سوريا، لكنه يفتح المعركة حول معنى هذا الوجود. فحميميم وطرطوس لم تعودا ورقتين في علاقة دمشق بموسكو فقط، إنما مؤشراً إلى موقع سوريا في لحظة تتقاطع فيها حسابات واشنطن وتركيا وإسرائيل وروسيا، من لبنان وإيران إلى أوكرانيا والمتوسط. وسط ذلك، لا يختبر الملف قدرة دمشق على طرد الروس، بل قدرتها على إدارة اشتباك معقد: ألا تتحول حاجتها إلى موسكو عبئاً على انفتاحها الغربي، وألا يتحول هذا الانفتاح إلى ضغط يفقدها أدوات الطاقة والتسليح والاستقرار.
نبض