هل انتقلت تونس من دستور توافقي إلى دستور رئاسي مركز للسلطة؟
في أقل من عقد من الزمن، شهدت تونس تحولاً دستورياً عميقاً، مرت وفقه من دستور صيغ في 2014، بعد مخاض سياسي عسير، إلى دستور صيغ في 2022 بعد حوادث استثنائية أشرت لمرحلة حكم جديدة.
بين الدستورين، كان السؤال الأبرز: هل مرّ البلد من دستور توافقي إلى دستور رئاسي مركز للسلطة؟
لحظة توافق نادرة
برأي باحثين وفاعلين سياسيين، مثّل دستور 2014 لحظة توافق نادرة في التاريخ السياسي التونسي، إذ ولد بعد نقاشات طويلة بين الإسلاميين والعلمانيين ومنظمات المجتمع المدني، وكان هدفه الأول القطع مع نظام حكم الفرد الواحد، وإرساء نظام يقوم على التوازن بين السلطتين التشريعية والتنفيذية.
يقول حسام الحامي، منسق ائتلاف صمود، لـ"النهار" إن دستور 2014 كان فعلاً دستوراً توافقياً، صيغ بتوافق بين جميع الحساسيات السياسية في البلد، ما أسهم في توسيع هامش الحريات والانفتاح في الفضاء العام، كما رسّخ التعددية وحرية التنظيم والتداول السلمي للسلطة. لكن - في المقابل - تسبّب - وفق رأيه - بتعطيل كبير لعملية اتخاذ القرار، ولم ينجح في معالجة الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية.

لا يلائم الواقع
يقول محسن النابتي، المتحدث باسم حزب التيار الديموقراطي، لـ"النهار" إن دستور 2014 الذي سعى البعض للترويج لكونه "دستوراً توافقياً"، وضعته القوى التي كانت ترغب في تغيير وجه المنطقة، مؤكّداً أنه كان نسخةً معدّلةً من دساتير فرضت على المنطقة، وقامت على مبدأ توزيع السلطة.
ورأى أن مثل هذه الدساتير "كانت مبرّرة في بعض الحالات مثل الحالة اللبنانية، حيث تفرض الطائفية نفسها كعنصر متحكم بالحياة السياسية، أو في العراق مع دستور بريمر".
ويوضح بأن دستور 2014 أقرّ توزيع السلطة، لكنه لم يكن - في تقديره - ملائماً للواقع التونسي، "لأنه أدى إلى اشتباك في الصلاحيات بين الرئاسات الثلاث، وهذا جعل البلاد تعيش حالة من التنازع السياسي وتصبح غير قابلة للحكم".
خلل بنيوي وتشتيت للسلطة
بدوره، يشير الحامي إلى أن التوازن الذي أرساه دستور 2014 بين السلطات لم يمنع وجود خلل بنيوي في نظام الحكم، حيث كان الطرف الفائز في الانتخابات غير قادر على تنفيذ برنامجه بسبب تشتت السلطة وتعدّد مراكز القرار، "وهذا ما أنتج حالةً من العطالة السياسية، وأضعف ثقة المواطنين في الطبقة السياسية، خصوصاً مع ما رافق ذلك من مشهد برلماني متوتر لم يقدّم حلولاً اقتصادية واجتماعية"، وفق ما يقول.
ويضيف الحامي أن غياب المحكمة الدستورية وعدم استكمال تركيز بعض الهيئات المستقلة زاد هشاشة المنظومة السياسية، وساهم في تعميق الصراع بين المؤسسات، إلى أن جاءت محطة 2021 التي يراها "نتيجةً طبيعيةً لذلك التعطيل والاحتقان".

مطلب شعبي
في المقابل، يعتبر محللون أن دستور 2022 جاء ردّاً مباشراً على حالة الشلل التي عاشتها البلاد. ويقول النابتي إن نظام الحكم الذي أقره دستور 2014 كان يفتقد مكونات الاستمرار فتحول إلى عبء على الدولة.
ويضيف النابتي: "اللحظة السياسية التي شهدتها تونس في 25 تموز/يوليو 2021، وحظيت بإجماع شعبي واسع، كان أبرز مطالبها إنهاء تقسيم السلطة، وتوحيد المؤسسات، وهو ما تُرجم لاحقاً في دستور 2022 الذي كرّس نظاماً رئاسياً أكثر مركزية".
ويرى أن النظام الرئاسي ليس بذاته نقيضاً للديموقراطية، مشيراً إلى أن عدداً من الدول الديموقراطية الكبرى تعتمد أنظمة رئاسية ورئاسوية، لافتاً إلى أن الترويج لفكرة أن النظام الرئاسي ليس نظاماً ديموقراطياً هي سردية "روّجت لها أطراف دفعت نحو تقسيم الدول العربية".
سلطة ممركزة
لكن هذا التعديل يلاقي انتقادات واسعة من معارضي الدستور الجديد، ممن يرون أنه لم يصلح هنات دستور 2014 بقدر ما أنتج اختلالاً جديداً.
يعتبر الحامي أن الرئيس قيس سعيّد جمع السلطة بين يديه وفق دستور 2022 الذي يمثل - بحسب رأيه - "عودةً إلى ما قبل دستور 1956"، لأنه "لا يضمن فصلاً حقيقياً بين السلطات أو توازناً بينها، وُيؤسس لنظام سلطوي ممركز يضعف التعددية، ويهمّش الأجسام الوسيطة".
ويقول إن النص الجديد "لا يكتفي بتقوية موقع الرئيس، بل يعيد ترتيب الدولة على قاعدة تجعل القرار أكثر تركيزاً بيد الرئاسة، مع حضور أضعف لبقية المؤسسات".
غياب آليات الرقابة
يتفق شقٌّ واسع من الفاعلين السياسيين في تونس على أن دستور 2022 يفتقد لعنصر مهم، هو آليات الرقابة لعمل رئيس الجمهورية قيس سعيّد، خصوصاً في ظل عدم تركيز المحكمة الدستورية، وفق ما يؤكد ذلك الحامي، الذي يرى أنه "يمنح الرئيس علوية على باقي المؤسسات".
ويتفق النابتي مع الحامي في هذا الطرح، مؤكدا أن "تدارك هذه الهنات ممكن من خلال البرلمان، ومن دون الحاجة إلى استفتاء جديد".
نبض