الشرع في برلين… الإعمار مقابل عودة اللاجئين

الشرع في برلين… الإعمار مقابل عودة اللاجئين
الرئيس السوري أحمد الشرع متحدثاً خلال مؤتمر صحافي مع نظيره الألماني فردريش ميرتس، في برلين. (أ ف ب)
Smaller Bigger

لم تكن زيارة الرئيس السوري أحمد الشرع إلى ألمانيا خطوة ديبلوماسية عادية، بل لحظة اختبار متبادل بين طرفين يحددان شروط العلاقة الجديدة بوضوح. برلين لا تنفتح على دمشق مجاناً، بل تربط أي مسار لإعادة الإعمار بإعادة قسم كبير من اللاجئين. في المقابل، تحاول دمشق تحويل هذا الانفتاح إلى ما هو أبعد من ملف العودة، أي إلى مدخل لاعتراف أوروبي عملي وشراكة اقتصادية أوسع.


هذا المعنى برز سريعاً في خطاب المستشار الألماني فريدريش ميرتس، الذي لم يقدم الزيارة بوصفها استئنافاً عادياً للعلاقات، بل وضعها ضمن معادلة واضحة: استقرار، إعادة بناء، وعودة. وفي المؤتمر الصحافي المشترك، أُعلن عن "برنامج عمل مشترك" و"فريق عمل مشترك" يبدأ عمله سريعاً، فيما أكدت الحكومة الألمانية تخصيص أكثر من 200 مليون يورو هذا العام لدعم الاستقرار وإعادة الإعمار في سوريا. بهذه اللغة، لم تعد برلين تدير الملف السوري من زاوية إنسانية فقط، بل من زاوية سياسية داخلية أيضاً.



اللاجئون… قلب الاختبار الألماني
النقطة الأكثر حساسية في الزيارة تمثلت في ملف اللاجئين. ميرتس تحدث عن ضرورة إعادة تقييم حاجات الحماية، وأكد رغبة ألمانيا في تعاون "موثوق" لإعادة من لا يملكون حق إقامة صالحاً ومن ارتكبوا جرائم. كما نقلت "رويترز" عنه توقع عودة نحو 80 في المئة من السوريين المقيمين في ألمانيا خلال ثلاث سنوات.


هنا انتقلت الزيارة من إطار العلاقات الخارجية إلى قلب السجال الألماني الداخلي. لم يعد السؤال يتعلق فقط بفتح قناة مع دمشق، بل بمدى استخدام هذه القناة لإعادة ترتيب ملف الوجود السوري داخل ألمانيا. الرقم الذي طُرح لم يكن تفصيلاً تقنياً، بل رسالة سياسية واضحة تعكس تصور الحكومة للعلاقة مع سوريا: تعاون سياسي واقتصادي، لكن تحت سقف وظيفة داخلية ألمانية محددة. ولهذا السبب تصاعد الجدل سريعاً، لأن الزيارة لم تُطرح كإعادة تموضع ديبلوماسي فقط، بل كأداة محتملة في واحد من أكثر الملفات حساسية داخلياً.

 

الشرع يعيد صياغة المسألة
الشرع لم يصطدم بهذا الطرح، لكنه لم يتبنَّه بالكامل. اختار إعادة صياغة المسألة بلغة أقل حدّة، فتحدث عن "الهجرة الدائرية"، أي نموذج يسمح بعودة السوريين، وخصوصاً أصحاب الكفاءات، للمساهمة في إعادة بناء بلدهم من دون خسارة الاستقرار الذي بنوه في ألمانيا.


هذا الطرح بدا محاولة لتخفيف الكلفة السياسية للمقاربة الألمانية، من دون الدخول في التزام واضح بجدول عودة واسع. بالتوازي، حرص الشرع على إعطاء الزيارة مضموناً سيادياً واضحاً: وحدة الأراضي السورية، رفض السلاح خارج الدولة، وتقديم سوريا بوصفها ممراً آمناً للطاقة وسلاسل الإمداد.

 

سوريون يتجمعون أمام مبنى الرايخستاغ في برلين قبيل اجتماع ميرتس والشرع. (أ ف ب)
سوريون يتجمعون أمام مبنى الرايخستاغ في برلين قبيل اجتماع ميرتس والشرع. (أ ف ب)

 

الاقتصاد… فرصة مشروطة
اقتصادياً، بدت الزيارة أكثر من مجرد اختبار سياسي. ميرتس أشار إلى لقاء الشرع مع ممثلين عن شركات ألمانية ضمن طاولة مستديرة، وتحدث عن "مشاريع أولى ملموسة"، وسمّى منها "سيمنز إنرجي" و"كناوف". كما قدم وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول سوريا بوصفها سوقاً وشريكاً محتملاً وموقعاً استراتيجياً بين أوروبا والخليج وآسيا.


بهذا المعنى، لم تعد برلين تقدم نفسها كجهة مانحة فقط، بل كطرف يرى في سوريا فرصة اقتصادية أيضاً، شرط توافر البيئة السياسية والأمنية والتنظيمية التي تسمح بذلك.



كلفة داخلية وروايتان إعلاميتان
رغم الزخم السياسي، لا تزال الحصيلة التنفيذية أقل من الثقل الذي حملته الزيارة. الثابت حتى الآن هو وجود إطار عمل مشترك، وفريق عمل، وانفتاح اقتصادي واضح، وحديث عن مشاريع أولية. أما الاتفاقات الأوسع، وخصوصاً في الطاقة والنقل، فلا يزال جزء كبير منها يظهر في التصريحات الرسمية وبيانات الشركات، أكثر مما يظهر في نصوص منشورة كاملة تسمح بتقدير الالتزامات بدقة.


في الداخل الألماني، دفعت الزيارة كلفتها سريعاً. منظمات حقوقية، مثل "برو أزايل"، رفضت أي "صفقات ترحيل" على حساب حقوق الإنسان، وحذرت من تطبيع سياسي قبل توافر شروط أمان حقيقية. في المقابل، انتقدت قوى سياسية، بينها شخصيات من "الحزب الديموقراطي الألماني" و"الخضر"، الأهداف الرقمية المطروحة، واعتبرتها غير واقعية أو متسرعة، بينما تلقف اليمين المتشدد الخطاب الجديد بوصفه اقتراباً من منطقه.


إعلامياً، برزت روايتان متوازيتان لا تلتقيان إلا في الحد الأدنى. الصحافة الألمانية ركزت على اللاجئين والجدل السياسي وتقييم الأمان في سوريا، بينما ركز الإعلام السوري والعربي الرسمي على الشراكات الاقتصادية ورسائل السيادة. بدا كأن كل طرف يقرأ الزيارة من زاوية مختلفة.



معادلة مفتوحة على التنفيذ
في المحصلة، لم تُغلق الزيارة الملفات، بل أعادت ترتيبها. ألمانيا قالت بوضوح إنها مستعدة للانفتاح على دمشق، لكن هذا الانفتاح يجب أن ينتج استقراراً وتعاوناً في ملف العودة وبيئة قابلة للعمل والاستثمار. ودمشق، في المقابل، أبدت استعداداً للتعاون، لكنها تسعى إلى تحويل هذا الانفتاح إلى اعتراف عملي ومسار اقتصادي ومؤسسي أوسع.


بين هذين الهدفين، تتشكل معادلة جديدة: ليست قطيعة كما في السابق، وليست تطبيعاً مكتملاً بعد. إنها تفاوض مباشر على المصالح، وستظهر قيمتها الفعلية عندما تبدأ مرحلة التنفيذ.


الأكثر قراءة

لبنان 4/1/2026 2:57:00 PM
الجيش الإسرائيلي: مصدر آخر تم استهدافه هو شبكة الصرافين التي تُعد المصدر المالي الرئيسي والأهم لهذه المنظمة
لبنان 4/1/2026 1:05:00 PM
شهدت منطقة الجناح في بيروت قصفاً إسرائيلياً عنيفاً 
لبنان 4/1/2026 2:48:00 PM
إخبار أمام النيابة العامّة التمييزية ضد السفير الإيراني محمد رضا شيباني