بعد 21 يوماً: حرب إيران بلا سقف… وصراع خرج عن سيطرة الجميع
عسكرياً، وعلى رغم التفوق الأميركي–الإسرائيلي العسكري والاستراتيجي، مرّت ثلاثة أسابيع، ولا تزال إيران تحتفظ بمخزون صاروخي ثقيل يوزّع نيرانه على دول الخليج من جهة وإسرائيل من جهة أخرى. سياسياً، تبقى الأهداف الكبرى للحرب عرضة للغموض، إذ يعلن الرئيس الأميركي أن إسقاط النظام الإيراني لم يكن هدف الحرب، فيما تحدد إسرائيل أهدافاً أكثر شمولية. أما اقتصادياً، فيبدو الأخطر أن تسبق الحرب النفطية الأهداف الأساسية، إذ بات العالم أمام واقع جديد يفرضه التحكم الإيراني بمضيق هرمز، في مقابل ضغط أميركي على الحلفاء للانخراط في تأمين الملاحة، فيما تتسع الفجوة بين واشنطن ودول "الناتو".
إن ارتفاع أسعار النفط والتهابها قد يدفع إلى حروب مشتقة تباعاً، ما لم تُحسم الحرب سريعاً، وهو أمر لا يزال موضع شك كبير.
المخيف أن تكون هذه الحرب، بعد 21 يوماً، قد أصبحت بلا سيطرة.
عسكرياً: من استهداف النظام إلى حرب متعددة المسارح
في مرحلتها الأولى، ركّزت العمليات على ضرب البنية القيادية والعسكرية للنظام الإيراني، بما في ذلك مواقع حساسة مرتبطة بالبرنامج النووي ومراكز القرار، في محاولة لإضعاف القدرة على القيادة والسيطرة ودفع النظام نحو حالة تفكك داخلي. إلا أن نمط العمليات تغيّر تدريجياً، مع انتقال الضربات إلى استهداف منشآت الطاقة والبنى الاقتصادية، وهو ما يعكس توجهاً لرفع كلفة الحرب على الدولة الإيرانية ككل، وليس فقط على مؤسساتها العسكرية، والضغط على طهران لفتح مضيق هرمز وإعلان الاستسلام.
بالتوازي، لم تعد جغرافيا الحرب محصورة داخل إيران، إذ امتدّت العمليات إلى ساحات إقليمية مرتبطة بها، من لبنان حيث تصاعدت وتيرة الاشتباكات، إلى العراق الذي شهد ضربات متبادلة، وصولاً إلى الخليج حيث ارتفعت المخاطر على المنشآت الحيوية ومسارات الطاقة. كما برزت مؤشرات على استهداف نقاط دعم لوجستي بعيدة، مثل قاعدة "دييغو غارسيا"، في تطور يعكس توسّع نطاق المواجهة إلى ما هو أبعد من مسرح العمليات التقليدي.
ورغم حجم الضربات، لم تظهر مؤشرات حاسمة على انهيار قدرة إيران على الرد. فطهران لا تزال قادرة على إطلاق صواريخ، وتفعيل شبكات حليفة في أكثر من ساحة، والحفاظ على مستوى تصعيد يفرض كلفة مستمرة على خصومها. كما أن طبيعة هذه الردود، التي تجمع بين المباشر وغير المباشر، تجعل من الصعب احتواء الحرب ضمن جبهة واحدة. بذلك، تحوّلت المواجهة من عملية عسكرية ذات هدف محدد إلى حرب متعددة المسارح، تتداخل فيها الجبهات وتؤثر في بعضها البعض بشكل متواصل.

سياسياً: تباعد في الأهداف داخل المعسكر الواحد
على المستوى السياسي، لم يعد التماسك داخل المعسكر الأميركي – الإسرائيلي على حاله. ففي حين انطلق الطرفان من خطاب مشترك بشأن هدف إسقاط النظام، بدأت الفروقات تظهر مع تطور الأحداث، خصوصاً في ما يتعلق بتعريف "نقطة النهاية" المقبولة للحرب. واشنطن، التي تواجه ضغوطاً داخلية مرتبطة بالكلفة الاقتصادية ومخاطر التوسع، تبدو أكثر ميلاً إلى احتواء التصعيد وتفادي الانخراط في حرب مفتوحة طويلة الأمد، خاصة مع اقتراب استحقاقات سياسية داخلية (الانتخابات النصفية) وحساسية ملف أسعار الطاقة. في المقابل، تميل إسرائيل إلى مواصلة العمليات بوتيرة أعلى، انطلاقاً من حسابات أمنية تعتبر أن إضعاف إيران يجب أن يكون عميقاً ومستداماً، حتى لو استدعى ذلك توسيع نطاق الضربات.
هذا التباين لا يعني انقساماً كاملاً، لكنه يعكس اختلافاً في أولويات كل طرف وفي تقديره للكلفة المقبولة والنتائج المرجوة. كما يفتح المجال أمام سيناريو تتحرك فيه العمليات العسكرية بسرعة تفوق قدرة القرار السياسي على مواكبتها، وهو ما يزيد من احتمالات الانزلاق إلى مستويات أعلى من التصعيد.
اقتصادياً: ارتدادات تتجاوز الإقليم
لم تبقَ تداعيات الحرب ضمن حدودها العسكرية، بل امتدت بوضوح إلى المجال الاقتصادي العالمي. فاستهداف منشآت الطاقة الإيرانية، إلى جانب التهديدات المرتبطة بأمن الملاحة في مضيق هرمز، انعكس مباشرة على أسعار النفط وعلى كلفة النقل البحري والتأمين، ما أدّى إلى حالة من القلق في الأسواق الدولية. كما أن أي اضطراب في هذه المنطقة الحساسة ينعكس سريعاً على سلاسل الإمداد العالمية، خصوصاً بين آسيا وأوروبا، ما يضع اقتصادات كبرى أمام ضغوط إضافية.
ولا يقتصر التأثير على الأسعار، بل يمتد إلى قرارات الاستثمار وإدارة المخاطر، إذ بدأت شركات ومؤسسات دولية بإعادة تقييم انكشافها على المنطقة. هذا البعد الاقتصادي يضيف طبقة جديدة من التعقيد إلى الحرب، إذ لم تعد تداعياتها محصورة بالدول المنخرطة مباشرة، بل باتت تمس توازنات أوسع في الاقتصاد العالمي، ما يزيد من حساسية أي تصعيد إضافي.

من يسيطر؟
في ضوء هذه المعطيات، لا يبدو أن أي طرف يملك السيطرة الكاملة على مسار الحرب. الولايات المتحدة تحتفظ بتفوق عسكري واضح، لكنها تتحرك بحذر لتجنّب توسيع المواجهة إلى حد يصعب احتواؤه. إسرائيل، من جهتها، تقود الجزء الأكبر من العمليات الميدانية وتسعى إلى تحقيق مكاسب استراتيجية، لكنها تدفع في اتجاه تصعيد قد لا يتوافق بالكامل مع الحسابات الأميركية. أما إيران، فرغم الضربات التي تعرّضت لها، لا تزال قادرة على التأثير في مسار الحرب عبر توسيع الجبهات ورفع كلفة الصراع على خصومها.
وإلى جانب هذه الأطراف، تلعب ساحات مثل لبنان والعراق دوراً متزايداً عبر الفصائل المسلحة المتحالفة مع طهران، حيث تتحول إلى مسارح رسائل عسكرية وسياسية متبادلة، ما يضيف طبقة إضافية من التعقيد. هذا التداخل يجعل من الصعب الحديث عن "قيادة" واضحة للحرب، ويعزز فكرة أنها باتت تتطور وفق دينامياتها الخاصة أكثر مما تُدار وفق خطة مركزية.

ما الذي لا نعرفه؟
ورغم كثافة المعلومات المتداولة، لا تزال عناصر أساسية غير واضحة. فحجم الضرر الفعلي الذي لحق بالقدرات الإيرانية، ومدى تأثير الضربات على بنية النظام، لا يزالان محل تقديرات متباينة. كما أن طبيعة التنسيق الفعلي بين واشنطن وتل أبيب، وحدود الأدوار غير المعلنة، تبقى غير واضحة بالكامل. كذلك، يظل احتمال امتلاك إيران لقدرات لم تُستخدم بعد، سواء عسكرية أو غير تقليدية، عاملاً مفتوحاً في الحسابات.
هذا الغموض ليس عرضياً، بل هو جزء من طبيعة الحروب الحديثة، حيث تُستخدم المعلومات نفسها كأداة في الصراع. وهو ما يجعل أي قراءة نهائية لمسار الحرب أمراً صعباً، ويُبقي الباب موارباً أمام مفاجآت قد تغيّر اتجاهها بسرعة.
السيناريوات: بين التصعيد والاحتواء والاستنزاف
انطلاقاً من الواقع الحالي، يمكن تصور ثلاثة مسارات رئيسية. الأول يتمثل في تصعيد أكبر، قد يشمل توسيع الضربات لتطال منشآت حيوية إضافية ويدفع أطرافاً أخرى إلى الانخراط المباشر. الثاني هو الاحتواء، عبر تخفيف تدريجي للتصعيد والتوصل إلى توازن ردع جديد يسمح لكل طرف بإعلان إنجاز ما دون حسم كامل. أما الثالث، وهو الأقرب في المدى المنظور، فيتمثل في استمرار الحرب بصيغة ممتدة عبر ساحات متعددة، ما يحوّلها إلى حرب استنزاف طويلة تتخللها موجات تصعيد وانخفاض.
وعليه، لم تعد القضية من يربح هذه الحرب بقدر ما أصبحت مرتبطة بقدرة الأطراف على منعها من الخروج الكامل عن السيطرة. فبعد 21 يوماً، لم يتغيّر فقط شكل الحرب، بل طبيعتها أيضاً، في اتجاه يجعل إدارتها أكثر صعوبة، ونتائجها أكثر انفتاحاً على احتمالات متعددة.
نبض