اغتيال قادة الفصائل في العراق... استراتيجية ممنهجة لتفكيكها؟
بغداد – "النهار"
يتصاعد المشهد الأمني في العراق بوتيرة غير مسبوقة، مع تكثيف الضربات الجوية التي تستهدف قيادات في الفصائل المسلحة، وسط ترجيحات بمسؤولية أميركية وإسرائيلية عنها. ويطرح هذا التصعيد تساؤلات عما إذا كان يندرج ضمن استراتيجية ممنهجة تستهدف إضعاف هذه الفصائل وتفكيك بنيتها القيادية، في ظل استهداف متكرر لعدد من القادة، من بينهم المسؤول الأمني لـ"كتائب حزب الله" أبو علي العسكري، ضمن سلسلة عمليات دقيقة شهدتها بغداد مؤخراً.
وتعزز المعطيات الأمنية والاستخباراتية فرضية تصاعد هذه العمليات خلال المرحلة المقبلة، بالتزامن مع استمرار الفصائل المسلحة في تنفيذ هجمات شبه يومية بالطائرات المُسيَّرة والصواريخ، تطال مواقع وأهدافاً أميركية داخل العراق وخارجه.
تحذيرات من تداعيات خطيرة
يحذر خبراء ومراقبون من أن استمرار هذا التصعيد قد يفضي إلى تداعيات أمنية واسعة النطاق، تشمل تنامي ردود الفعل العسكرية، فضلاً عن زيادة المخاطر التي قد تطال المدنيين والبنى التحتية الحيوية.
وفي هذا السياق، يقول مسؤول عسكري في "كتائب سيد الشهداء"، أحد أبرز الفصائل المسلحة العراقية، لـ"النهار"، إن "المعلومات الاستخباراتية المتوفرة لدى الفصائل تشير إلى أن عمليات اغتيال قادتها، لا سيما القادة الميدانيين، مرشحة للتصاعد خلال الفترة المقبلة، بفعل النشاط المتزايد للولايات المتحدة وإسرائيل في هذا الإطار".
ويضيف المسؤول، الذي رفض الكشف عن اسمه، أن "الفصائل اتخذت حزمة من الإجراءات الأمنية المشددة والمتعددة لحماية قياداتها، في أعقاب تصاعد عمليات الاغتيال عبر الضربات الجوية، وتشمل هذه الإجراءات تغيير مواقع القيادة وأنماط التحرك، إلى جانب تدابير أخرى لا يمكن الإفصاح عنها".
ويؤكد أن "تصاعد عمليات الاغتيال لم ينعكس سلباً على قدرة الفصائل في تنفيذ عملياتها، إذ لم يؤدِّ استهداف القيادات إلى وقف النشاط الميداني ضد المصالح والأهداف الأميركية داخل العراق وخارجه، بل من المرجح أن تستمر هذه العمليات وربما تتصاعد وتيرتها خلال المرحلة المقبلة".
ويشدد المسؤول العسكري العراقي على أن "الفصائل تنظر إلى هذه الضربات باعتبارها جزءاً من حملة ممنهجة تستهدف قياداتها، وستتعامل معها ضمن استراتيجية مدروسة، بما يضمن حماية مصالحها وأمنها الداخلي، والرد على أي تصعيد أميركي أو إسرائيلي".
من جهته، يرى الخبير في الشؤون الاستراتيجية حسين الأسعد، في حديثه لـ"النهار"، أن "المؤشرات كافة تدل على أن الفترة القريبة المقبلة ستشهد تصاعداً ملحوظاً في عمليات اغتيال قادة الفصائل المسلحة العراقية، بالتوازي مع تكثيف الضربات الجوية، التي يُرجح أن تكون أميركية أو إسرائيلية، لا سيما في ظل الارتفاع اللافت في وتيرة هذه العمليات خلال الأيام الماضية في بغداد".
ويشير الأسعد إلى أن "هذه التطورات تنطوي على تداعيات خطيرة على الأمن والاستقرار في العراق، إذ قد تدفع الفصائل إلى الرد بوتيرة متسارعة، ما يرفع منسوب التوتر إلى مستويات غير مسبوقة، خصوصاً بعد تسجيل تكثيف في استهداف السفارة الأميركية وقاعدة فكتوريا في مطار بغداد الدولي، وهو ما يُعتقد أنه جاء رداً على عمليات اغتيال القيادات".
ويضيف أن "المعطيات الميدانية تؤكد أن القادة المستهدفين يعتمدون إجراءات أمنية استثنائية لتفادي الاستهداف، إلا أن هذه التدابير قد لا تكون كافية في ظل تصاعد الضربات الجوية الدقيقة، ما ينذر بدخول المشهد في حلقة تصعيد يصعب احتواؤها".

عمليات دقيقة ومؤثرة
بدوره، يؤكد الخبير في الشؤون العسكرية سيف رعد، لـ"النهار"، أن "بغداد وبقية المدن العراقية مقبلة على تصاعد حاد وغير مسبوق في عمليات اغتيال قادة الفصائل المسلحة، في ظل وجود مؤشرات واضحة إلى تصعيد متعمد ومخطط له بعناية، خاصة عقب الضربات الجوية التي استهدفت قيادات ميدانية في العاصمة، ما دفع الفصائل إلى تشديد إجراءاتها الأمنية".
ويضيف أن "المشهد الأمني الراهن يُعد من أكثر المراحل حساسية خلال السنوات الأخيرة، ويمثل تحدياً كبيراً أمام الأجهزة الأمنية، إذ إن أي تقاعس أو استهانة قد يقود إلى نتائج كارثية، خصوصاً أن الضربات الأخيرة أظهرت قدرة عالية على تنفيذ عمليات دقيقة ومؤثرة".
ويحذر من أن "الأيام المقبلة قد تكشف عن حجم أكبر من المخاطر والتهديدات المرتبطة باستمرار هذا التصعيد، في وقت تعيش فيه بغداد حالة من التوتر المرتفع، ما يستدعي اتخاذ إجراءات احترازية صارمة، تحول دون انزلاق البلاد إلى مواجهة عسكرية مفتوحة بين الفصائل من جهة، والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى".
في ضوء هذه التطورات المتسارعة، يرى مراقبون أن نمط الضربات الحالية قد يعكس مساراً تصعيدياً يستهدف البنية القيادية للفصائل، ما يعيد طرح السؤال عما إذا كانت العمليات الجارية تمثل استراتيجية طويلة الأمد لإضعافها أو تفكيكها. وبينما تتزايد الإجراءات الأمنية التي تتخذها هذه الفصائل، يبقى المشهد مفتوحاً على احتمالات تصعيد إضافي قد يحدد ملامح المرحلة المقبلة في العراق.
نبض