سهرات "النوفرة" ورقصة "المولوية"... عادات سورية في رمضان

المشرق-العربي 27-02-2026 | 09:48

سهرات "النوفرة" ورقصة "المولوية"... عادات سورية في رمضان

في التكايا والزوايا الصوفية السورية العريقة، وتحديداً في دمشق وحلب، يبرز طقس "المولوية" الرمضاني كأرقى صور التعبير الروحي والتبتل
سهرات "النوفرة" ورقصة "المولوية"... عادات سورية في رمضان
سوق باب سريجة في دمشق (سانا)
Smaller Bigger

إذا كان نهار سوريا الرمضاني هو نهار العمل والتحضير والتكافل، فإن ليلها هو "فسحةُ التجلي" وميدانُ السهر الذي يمتد من بعد صلاة التراويح حتى مطلع الفجر. في الجامع الأموي الكبير، تغصّ الأروقة والمصليات بالمصلين الذين يأتون من كل فجٍّ ليشهدوا "صلاة التراويح" بأصوات كبار المقرئين السوريين الذين يتميزون برخامة الصوت وعمق الأداء المقامي، لتتحول الصلاة إلى رحلةٍ روحية تُغسل فيها الأرواح من أعباء العام. هنا، يمتزج صوت التلاوة بخشوع المآذن، وتتحول الساحات الخارجية للمساجد إلى ملتقيات إيمانية، حيث يتبادل الناس التحايا والمباركات، قبل أن تنطلق الحياة في عروق المقاهي والحارات العتيقة لترسم ليالي الشام الساحرة.

 

مقهى النوفرة في سوريا
مقهى النوفرة في سوريا

 

مقهى "النوفرة": في حضرةِ الحكواتي وسحرِ الماضي خلفَ أسوارِ الجامع
خلف الجامع الأموي، يقع مقهى "النوفرة" الشهير، حيث لا تزال سدة "الحكواتي" تنتظر من يروي سير الأبطال والملاحم. يجلس الحكواتي بملابسه الشامية التقليدية و"اللاوية" على رأسه، حاملاً كتابه الضخم وعصاه الخشبية التي يضرب بها على الطاولة ليردّ السامعين إلى جادة الحكاية كلما اشتد الحماس. ورغم كل التطور التكنولوجي، يصر الدمشقيون على ارتياد هذه السهرات، مستمعين بإنصاتٍ لقصص المروءة والشجاعة للظاهر بيبرس وعنترة، وهم يحتسون "الشاي الخمير" وفناجين القهوة المرة. في هذا المقهى، يعود الزمن للوراء، ويصبح الخيال حقيقة ملموسة، ويتحول ليل الشام إلى فضاءٍ ممتد من السرد الجميل الذي يربط الأجيال بجذورها وبقيم الفروسية والشهامة الشامية الأصيلة.

 

رقصةُ الدراويشِ
رقصةُ الدراويشِ

 

"المولوية": رقصةُ الدراويشِ والارتقاءُ بالروحِ نحو السماءِ في ليالي التجلي
في التكايا والزوايا الصوفية السورية العريقة، وتحديداً في دمشق وحلب، يبرز طقس "المولوية" الرمضاني كأرقى صور التعبير الروحي والتبتل. يرتدي الدراويش ملابسهم البيضاء الفضفاضة وطرابيشهم العالية، ويبدأون بالدوران حول أنفسهم ببراعة متناهية على وقع "الناي" الحزين والدفوف، في حركةٍ دائرية ترمز إلى دوران الكون وتوحد الروح مع خالقها. هذه الرقصة، التي تبلغ ذروتها في ليالي رمضان المباركة، ليست مجرد فنٍ فولكلوري، بل هي صلاةٌ بالجسد وذكرٌ صامت، تخلق حالة من السكينة والخشوع العميق لدى الحاضرين. إنها تعبير عن هوية سوريا الصوفية والروحانية التي ترى في الصوم والذكر سبيلاً للارتقاء الإنساني، وتجعل من ليل رمضان فرصة للتحليق بعيداً عن صخب المادة نحو آفاق العشق الإلهي.

 

حلويات شرقية
حلويات شرقية

 

حلوياتُ الشرق: مملكةُ "المعجوقة" وسحرُ "غزلِ البنات" بالفستقِ الحلبي
لا تكتمل ليالي سوريا الرمضانية دون المرور بمحلات الحلويات التي تشتهر بها دمشق وحلب عالمياً. من "المعجوقة" الحموية الساخنة إلى "الكنافة" النابلسية بلمستها الشامية، وصولاً إلى "غزل البنات" و"المدلوقة" و"النهش". تتسابق المحلات العريقة في "حي الميدان" و"المرجة" لتقديم أفضل ما عندها من أصناف السمن العربي الأصيل. صناعة الحلويات في رمضان سوريا هي فنٌ يُورث للأبناء كأسرار مقدس، حيث تُزين الصواني بالفستق الحلبي الأخضر وتُغمر بالقطر الممزوج بماء الورد والزهر. هذه الأطباق هي مكافأة الصائمين بعد صلاة القيام، وهي التي تضفي حلاوةً استثنائية على جلسات السمر العائلية التي تمتد في باحات البيوت العربية، حيث يجتمع الأهل تحت دالية العنب ليتقاسموا الحلوى والذكريات.

 

المسجد الأموي في دمشق
المسجد الأموي في دمشق

 

"الوداعية" ونسائمُ العيد: دموعُ الفراقِ وفرحةُ "المعمول" المنقوشِ باليد
مع دخول العشر الأواخر، تبدأ المساجد السورية بترديد "الوداعيات" الحزينة التي تودع الشهر بكلماتٍ تلامس شغاف القلوب: "يا رمضانُ لا ترحلْ.. وللقلوبِ لا تخذلْ". هو حزنٌ نبيل يختلط بفرحة التحضير للعيد؛ فتنشط الأسواق وتزدحم محلات الألبسة، وتجتمع النسوة في البيوت لصنع "معمول العيد" المنقوش يدوياً ببراعة، والذي تفوح رائحة خَبزِهِ بالمسك والمستكة لتملأ الحارات الضيقة. ومع بزوغ فجر العيد، يخرج السوريون لزيارة المقابر وتوزيع الصدقات، في تأكيدٍ على أن سوريا، رغم كل جراحها وعواصفها، تبقى مهد الحضارة والجمال، وتعرف كيف تصون تراثها الرمضاني ليبقى منارةً مضيئة للأجيال، وشاهداً على روح شعبٍ لا يعرف الانكسار.

 

العلامات الدالة

الأكثر قراءة

كتاب النهار 3/1/2026 1:11:00 PM
التهديد السابق الذي أطلقه قاسم بأنّ حزبه لن يقف على الحياد في الموضوع الايراني، كان موقفاً سياسياً مستنداً الى ترجيح نجاح المفاوضات، أكثر من قيام الحرب.
تكنولوجيا 2/28/2026 3:05:00 AM
ثاني عملية استدعاء للعلامة التجارية خلال أقل من شهر...
ايران 2/28/2026 1:37:00 PM
مبانٍ منهارة داخل المجمع، الذي يُستخدم عادةً مقرًا لإقامة المرشد ومكانًا لاستقبال كبار المسؤولين