تصعيد "داعش" في الشرق السوري… بين خطاب المرحلة وفراغات الانسحاب

المشرق-العربي 24-02-2026 | 17:27

تصعيد "داعش" في الشرق السوري… بين خطاب المرحلة وفراغات الانسحاب

لا يبدو ما يجري شرق الفرات تصعيداً عابراً، بل اختباراً مبكراً لقدرة السلطة الجديدة على فرض معادلة أمنية مستقرة في بيئة يُعاد تشكيلها بسرعة.
تصعيد "داعش" في الشرق السوري… بين خطاب المرحلة وفراغات الانسحاب
عنصر من الأمن السوري قرب مخيم أكبران، شمال محافظة حلب. (أ ف ب)
Smaller Bigger

يشهد الشرق السوري تصعيداً في عمليات تنظيم "داعش"، أعقب ظهور المتحدث الرسمي باسمه أبو حذيفة الأنصاري، وإعلانه الدخول في "مرحلة جديدة من الصراع"، بالتزامن مع انسحاب أميركي متسارع من قواعد عسكرية في المنطقة. لا يبدو الأمر مجرد تزامن، بل تقاطعاً بين خطاب يعلن افتتاح مرحلة جديدة وبيئة أمنية يُعاد تشكيلها ميدانياً، بما يطرح سؤالاً أوسع حيال شكل السلطة ومعادلة الأمن عندما تبدأ المظلات الخارجية بالانكماش.


في الرقة، تعرّض حاجز السباهية عند المدخل الغربي للمدينة لهجومين متتاليين خلال أقل من أربع وعشرين ساعة. الهجوم الأول، الذي وقع يوم الأحد، أسفر عن مقتل عنصر من قوى الأمن الداخلي وإصابة آخر، وأعلن "داعش" مسؤوليته عنه عبر معرفاته الرسمية. أما الهجوم الثاني، الذي وقع عصر الاثنين في الموقع نفسه، فأدى إلى مقتل أربعة عناصر وإصابة آخرين بعد اشتباكات استمرت نحو نصف ساعة، من دون صدور بيان تبنٍّ منفصل حتى لحظة إعداد هذا التقرير.


اختيار السباهية تحديداً ليس تفصيلاً عابراً؛ فهو حاجز ثابت عند مدخل غربي يسهّل إعادة استهدافه، ويمنح التنظيم فرصة لفرض تكرار رمزي يضرب "الهيبة" قبل أن يضرب الأفراد.
وامتد التصعيد إلى محافظة دير الزور، حيث قُتل عنصر من الجيش السوري في مدينة الميادين جراء هجوم مسلح، في وقت تبنّى "داعش" عمليات أخرى استهدفت عناصر أمنية في ريفي سلوك والبصيرة. هذا التزامن الجغرافي والزمني يوحي بإيقاع عملياتي واحد أكثر مما يوحي بحوادث متفرقة.

من الإعلان إلى الفعل
قبل ساعات من الهجوم الأول في الرقة، بثّ "داعش" عبر مؤسسته الإعلامية "الفرقان" تسجيلاً صوتياً للمتحدث باسمه، في أول ظهور إعلامي له منذ نحو عامين. أعلن الأنصاري صراحة الدخول في "مرحلة جديدة من الصراع"، مؤكداً استمرار "العمل في الشام"، ومعتبراً أن "النظام السوري هدف رئيسي في المرحلة المقبلة". كما تضمّن التسجيل تهديداً مباشراً للرئيس أحمد الشرع، ودعوة صريحة لعناصر داخل البنية العسكرية الرسمية إلى الانضمام للتنظيم، في انتقال واضح من خطاب توصيفي إلى إعلان مواجهة مفتوحة.


التسلسل الزمني بين الكلمة ووقوع الهجمات، مع تبنّ رسمي لإحداها، يضع الخطاب والعمليات ضمن مسار واحد: إعلان مرحلة يتبعه فعل سريع. وفي منطق التنظيم، يقترن الإعلان العقائدي بترجمة ميدانية تثبت الجدية أمام جمهوره الداخلي قبل خصومه، وتؤكد أن الانتقال إلى مرحلة جديدة ليس مجرد تصعيد لفظي.

 

قافلة أميركية تنقل معدات عسكرية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، في 23 شباط 2026. (أ ف ب)
قافلة أميركية تنقل معدات عسكرية في محافظة الحسكة شمال شرق سوريا، في 23 شباط 2026. (أ ف ب)

 

نافذة انتقالية يحاول التنظيم اقتحامها
يأتي هذا التصعيد في ظل تحولات ميدانية أوسع في شرق سوريا. فقد شهدت الأسابيع الماضية انسحاباً أميركياً من عدد من القواعد، بينها قاعدة قسرك، وسط حديث عن تقليص أوسع للوجود العسكري. وبالتوازي، تتواصل المفاوضات بين دمشق و"قسد" لتنفيذ اتفاق 29 كانون الثاني/يناير، بما يعني إعادة توزيع الأدوار الأمنية في مناطق شرق الفرات.


هذا التقاطع بين انكماش المظلة الأميركية وتبدّل ترتيبات السلطة المحلية يخلق فراغات موقتة في هندسة السيطرة، لكنها كافية ليحاول "داعش" اقتحامها: لحظة انتقال تُستثمر لفرض حضور، واختبار تماسك الأجهزة، ورفع كلفة أي إعادة تموضع أمني جارٍ.

 

فيصل البلو… عودة في لحظة تحوّل
في موازاة هذا التصعيد، عاد إلى التداول اسم فيصل البلو، أحد القياديين السابقين في "داعش" في شمال الرقة، بعد الإفراج عنه مؤخراً عقب توقيف استمر أياماً قليلة، بحسب مصادر محلية في تل أبيض. عودة هذا الاسم ليست تفصيلاً عابراً في لحظة يُعاد فيها تشكيل المشهد الأمني شرق الفرات؛ إذ يمثّل نموذجاً لقيادات المرحلة الأولى التي لم تختفِ تماماً، بل تحركت في ظلال المشهد، ويُستحضر اليوم بوصفه جزءاً من البنية المحلية السابقة للتنظيم وخبرته بشبكاتها.


البلـو، المعروف بلقبه الحركي "أبو أحمد"، برز خلال سيطرة التنظيم على الرقة وتل أبيض بين عامي 2014 و2016، إذ شغل منصب "أمير القاطع الشمالي"، وارتبط اسمه بملف العشائر في المنطقة. تقارير حقوقية وشهادات محلية نُشرت لاحقاً اتهمته بالضلوع في اعتقالات وعمليات إعدام خلال فترة حكم "داعش"؛ وهي اتهامات لم تُحسم قضائياً، لكنها رسّخت اسمه كأحد الوجوه المحلية البارزة آنذاك.

 

فيصل البلو. (فايسبوك)
فيصل البلو. (فايسبوك)

 

بعد انحسار "داعش"، تضاربت الروايات بشأن مصيره. رُوّج في مرحلة ما لمقتله، قبل أن تظهر تقارير تؤكد بقاءه على قيد الحياة. وفي عام 2020، وثّق مركز توثيق الانتهاكات الإفراج عنه من سجن تابع لفصيل ضمن "الجيش الوطني" في تل أبيض. كما نقلت وسائل إعلام ليبية لاحقاً عن مسؤولين عسكريين اتهامات بنقله إلى ليبيا ضمن دفعات مقاتلين سوريين، وذهب بعضها إلى اتهامه بالمشاركة في إعدام الطيار الأردني معاذ الكساسبة؛ وهي مزاعم لم يصدر بشأنها تأكيد مستقل. لاحقاً، أفادت تقارير باعتقاله مجدداً أثناء دخوله من تركيا بهوية مزوّرة، ثم الإفراج عنه بعد مدة. أما التوقيف الأخير – لأيام قليلة – فقد انتهى بإطلاق سراحه في توقيت تزامن مع إعلان التنظيم تدشين "مرحلة جديدة من الصراع" وتصاعد الهجمات في الرقة ودير الزور.


إن عودة شخصية ذات تاريخ تنظيمي واضح في لحظة تصعيد مُعلن تفتح باب قراءات متعددة: فقد تكون مرتبطة باعتبارات قانونية أو ترتيبات أمنية محلية، وقد تُقرأ أيضاً على أنها إعادة إدخال عنصر يعرف شبكات "داعش" وتقاطعاتها العشائرية إلى مشهد يُراد ضبطه سريعاً. وفي الحالتين، يظل توقيت الإفراج حدثاً ذا دلالة ضمن مناخ أمني يتغيّر بوتيرة متسارعة.


في المحصلة، لا يبدو ما يجري شرق الفرات تصعيداً عابراً، بل هو اختبار مبكر لقدرة السلطة الجديدة على فرض معادلة أمنية مستقرة في بيئة يُعاد تشكيلها بسرعة، وفي ظل ترتيبات قيد التشكل بين دمشق و"قسد"، ومع تنظيم أعلن بنفسه فتح مرحلة مواجهة وبدأ فعلياً بترجمتها على الأرض.


الأكثر قراءة

آراء 2/26/2026 7:26:00 PM
التشكيك في نيات الإمارات حيال أمن المنطقة والسعودية تحديداً واستقرارها، عبث ويتجاهل حقائق ووقائع دامغة في التاريخ القريب.
تكنولوجيا 2/28/2026 3:05:00 AM
ثاني عملية استدعاء للعلامة التجارية خلال أقل من شهر...
ايران 2/28/2026 1:37:00 PM
مبانٍ منهارة داخل المجمع، الذي يُستخدم عادةً مقرًا لإقامة المرشد ومكانًا لاستقبال كبار المسؤولين