تحذير ترامب يربك الإطار التنسيقي: اجتماع في منزل المالكي لحسم الموقف
أثار تحذير الرئيس الأميركي دونالد ترامب، في 27 كانون الثاني/يناير 2026، بشأن ترشيح نوري المالكي لرئاسة مجلس الوزراء العراقي، موجة واسعة من ردود الفعل المتباينة داخل قوى الإطار التنسيقي، عكست حالة من الارتباك السياسي والانقسام غير المعلن، راوحت بين الرفض الرسمي الصريح، والتحفظ الحذر، وصولاً إلى تأييد غير معلن لمضمون التحذير الأميركي.
اجتماع حاسم
المجلس الأعلى الإسلامي كان أول الأطراف الشيعية التي ردّت رسمياً على تصريحات ترامب، إذ أكد المتحدث باسمه أن اختيار رئيس الوزراء شأن دستوري عراقي خالص، ولا يخضع لأيّ إرادة خارجية، مشدداً على استقلالية القرار الوطني ورفض التدخلات الدولية في المسار السياسي الداخلي.
في المقابل، تكشف مصادر مطلعة على كواليس اجتماعات الإطار التنسيقي، لـ"النهار" عن عزم قياداته على عقد اجتماع طارئ في منزل المالكي، لمناقشة تداعيات التصريحات الأميركية وصياغة موقف موحّد إزاءها.
وتؤكد المصادر أن "مخرجات الاجتماع المرتقب لا تتجاوز احتمالين رئيسيين: إما تجميد المواقف الرسمية موقتاً لتفادي التصادم المباشر مع الإدارة الأميركية الجديدة، أو المضيّ في دعم ترشيح المالكي رغم التهديدات بقطع المساعدات وتقييد التعاملات المالية".
وأضاف: "في المرة السابقة التي كان فيها المالكي في السلطة، انحدر البلد إلى الفقر والفوضى الشاملة، ولا ينبغي السماح بحدوث ذلك مرة أخرى".
وتابع: "بسبب سياساته وأيديولوجياته المتهورة، فإن أي انتخاب للمالكي سيعني أن الولايات المتحدة لن تقدّم أي مساعدة للعراق بعد الآن، وإذا لم نكن هناك للمساعدة، فلن تكون لدى العراق أي فرصة للنجاح أو الازدهار أو الحرية".
موقف حرج
وبحسب المصادر ذاتها، فإن الضغط الأميركي "وضع الإطار التنسيقي في موقف حرج، وقد يدفع بعض أطرافه إلى البحث عن خيارات بديلة، من بينها التجديد لرئيس الوزراء الحالي محمد شياع السوداني"، تجنباً لسيناريو انهيار اقتصادي محتمل، في ظل سيطرة واشنطن على مفاتيح الدولار والتحويلات المالية للعراق.
من جهته، أعلن المالكي رفضه القاطع لما وصفه بـ"التدخل الأميركي السافر" في الشأن العراقي، معتبراً ذلك انتهاكاً للسيادة الوطنية وتعدياً على قرار الإطار التنسيقي في اختيار مرشحه لرئاسة الحكومة. وشدّد المالكي على أن لغة الحوار بين الدول هي السبيل الوحيد لإدارة العلاقات الدولية، رافضاً أساليب "الإملاءات والتهديد"، ومؤكداً أن الإطار ماضٍ في استكمال مساره السياسي بما يحقق "المصالح العليا للشعب العراقي".
وفي السياق ذاته، وصف القيادي في منظمة بدر أبو ميثاق المساري التصريحات الأميركية الأخيرة بأنها تأتي ضمن ما يُعرف عالمياً بـ"الشعبوية الترامبية"، معتبراً أنها "بلطجة سياسية مغلفة" تُسوَّق على شكل تحذيرات، لكنها تمثل "التفافاً على نتائج الانتخابات، وتتعارض مع القيم الديموقراطية التي تدّعي واشنطن الدفاع عنها". وأضاف أن هذه المقاربة لا تعبّر عن احترام إرادة الناخب العراقي، بل تعكس نزعة تدخلية مرفوضة، مؤكداً أن خيار الإطار يتمثل في الثبات على مرشحه وعدم الرضوخ لأيّ ضغوط خارجية.
وفي موقف لافت من "حزب الدعوة"، جاء التحذير من أن "فتح ثغرة في القرار الإطاري قد جرّ العملية السياسية إلى هذا المستوى من التعقيد"، مشيراً إلى أن "التباين في المواقف وعدم الالتزام بقرار موحّد سينجم عنه تداعيات خطيرة على أكثر من صعيد، سياسياً واقتصادياً وأمنياً".

رفض إقليمي
في المقابل، نقل مراقبون أن المالكي يواجه رفضاً واضحاً لا فقط من الولايات المتحدة، بل أيضاً من تركيا وثلاث دول خليجية، ما يعقّد فرص تسويقه إقليمياً ودولياً.
وعلى الضفة الأميركية، علق السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام على منصة "إكس"، مؤكداً أن الرئيس ترامب "محق تماماً" في موقفه من العراق، وأشار إلى أنه شهد شخصياً فترة رئاسة المالكي، واصفاً إياها بـ"الكارثية". وأضاف أن مبدأ "أميركا أولاً" يفرض وجود شركاء موثوقين في دول مهمة مثل العراق، محذراً من أن عودة المالكي تمثل خطوة كبيرة إلى الوراء في العلاقات العراقية-الأميركية.
ضمن هذا السياق، يرى مدير المركز العراقي للدراسات الاستراتيجية الدكتور غازي الفيصل أن "العراق يمر بمرحلة سياسية بالغة الحساسية، تتقاطع فيها الضغوط الإقليمية والدولية مع تعقيدات الداخل"، مؤكداً أن "الإشكالية الجوهرية لا تتعلق بالأسماء بقدر ما ترتبط بطبيعة المشروع السياسي للحكومة المقبلة".
ويشير الفيصل، في تصريح لـ"النهار"، إلى أن "الإطار التنسيقي يعاني من إشكالية بنيوية ناجمة عن ازدواجية الهوية الاستراتيجية، إذ يحاول تقديم نفسه شريكاً محتملاً لواشنطن، في الوقت الذي يحافظ فيه على تحالفات عضوية مع إيران وفصائل مسلحة". ويرى أن محاولة تسويق المالكي كخيار قادر على نزع سلاح الفصائل تصطدم بتاريخه السياسي وعلاقاته الوثيقة بطهران.
ويضيف الفيصل أن "الولايات المتحدة لم تعد تقبل بالضمانات الخطابية، بل تبحث عن أفعال ملموسة"، لافتاً إلى وجود نحو 58 نائباً في البرلمان مرتبطين بشكل مباشر أو غير مباشر بالفصائل المسلحة، دفع واشنطن إلى رسم خطوط حمراء تمنع وصولهم أو حلفائهم إلى مراكز القرار التنفيذي. ويحذر الفيصل من أن "إصرار الإطار على إعادة إنتاج شخصيات منسجمة مع المحور الإيراني قد يقود العراق إلى عزلة مالية واقتصادية متزايدة".
نبض