ثقافتنا إرث وأثر خالد
محمد خليفة المبارك
رئيس دائرة الثقافة والسياحة – أبوظبي
ثقافتنا تجسيد حيّ لتاريخ طويل من التجارب والقيم والتقاليد التي تشكلت عبر العصور. وهي ليست مجرد مجموعة من العادات والممارسات، بل هي إرث حي يتنقل من جيل إلى جيل،يحمل في طياته ذكريات الأجداد وآمال المستقبل.
.jpg)
تُجسد ثقافتنا أثراً خالداً في حياتنا اليومية، مما يجعلها ركيزة أساسية في بناء مجتمع متماسك وقوي. من خلال استكشاف رموزنا الثقافية، فنوننا، ولغتنا، نتعرف على الجوانب التي تجعل من ثقافتنا إرثاً يستحق التقدير والحفاظ عليه. ويُمكن للجميع من حول العالم التعرف على ثقافتنا، ماضينا وتاريخنا في صالات وأركان متحف زايد الوطني. إنّ هذا المجتمع المتنوعوالنابض بالحياة الذي ترونه اليوم هو ثمرة 300 ألف عام من التاريخ.
فعلى مدى النصف قرن الماضي، استرشدت أبوظبي بقناعة راسخة مفادها أن الثقافة هيجوهر هويتنا والمحرّك الأساسي للنمو المستدام. إن صون وحماية ثقافتنا ومشاركتها مع العالميعكسان قيمنا ويشكّلان منارةً ترشدنا نحو مستقبلنا المشترك. ولا يزال هذا الاعتقاد الذيرسّخه الوالد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، متجذراً فيصميم رسالتنا حتى اليوم. وفي هذا السياق، نواصل دعم مؤسساتنا الثقافية، وتعزيز مجتمعاتنا،وإثراء حياة الأفراد عبر مشاركة أفضل ما تقدمه أبوظبي مع العالم.
ولا يزال استثمارنا في القطاع الثقافي يحقق إنجازات كبيرة، سواء كانت ظاهرةً أو خفية. فالمتاحف والمعارض والمؤسسات التي كانت يوماً مجرد تصورات على أوراق المخططات،أصبحت اليوم فضاءات متكاملة تبعث على البهجة والمعرفة والإلهام. ومن خلال سرد قصتناالخاصة، وخلق منارة للاكتشاف في أبوظبي، فإننا نُعزّز شعوراً عميقاً بالفخر والانتماء. وعبر الأجيال، نكتشف سُبلاً جديدة للتفاعل مع الثقافة ضمن سردية أوسع تصل الماضي بالحاضروالمستقبل.
ندرك في أبوظبي أنّ الثقافة تُسهم بشكل كبير في بناء مجتمع متماسك من خلال تعزيز الهويةوالانتماء، حيث تعزز الشعور بالانتماء إلى مجموعة معينة وتساعد الأفراد على التعرف علىهويته، مع ما توفره الثقافة من منصة للحوار بين خلفيات متنوعة، مما يقلل التوترات ويعزز التفاهم. ولا ننسى دور الثقافة في تحفيز الابتكار والإبداع، مما يؤدي إلى تطوير أفكار جديدة تعزز من قوة المجتمع. بالإضافة إلى ذلك، تساعد الثقافة المجتمعات على مواجهة التحدياتمن خلال تقديم إطار لفهم الأزمات والاستجابة لها بشكل جماعي.
من خلال المنطقة الثقافية في السعديات، نُحقق أحد أكثر التجمّعات الطموحة لرأس المالالثقافي في العالم. فهذه المنطقة ليست مجرد مجموعة مبانٍ، بل هي منصة عالمية للحوار،حيث تغذي كثافة وثراء المعرفة والإبداع وتفتح آفاق الابتكار.

ففي جناح "إلى أسلافنا" في متحف زايد الوطني، نشهد الأدلة المادية على رحلتنا، أداةحجرية من العصر الحجري القديم وُجدت هنا، تربطنا بأيادٍ قديمة ساهمت في تشكيل هذهالأرض. إن هذا المتحف يُعد شهادةً على الصمود والابتكار اللذين رسّخا روح شعب هذهالأرض على مرّ العصور.
وقد افتتح متحف زايد الوطني ومتحف التاريخ الطبيعي أبوظبي على مدار أيام قليلة تفصلبينهما، ليجسّدا عقوداً من التخطيط والدراسات العلمية. وانضما إلى متحف اللوفر أبوظبي،منارتنا العالمية للتواصل الثقافي، وتيم لاب فينومينا أبوظبي، حيث يلتقي الفن بالتكنولوجيالإشعال فضول لا حدود له. ومع مشروع جوجنهايم أبوظبي المستقبلي، تُحوّل هذه المعالممجتمعةً المنطقة الثقافية في السعديات إلى ملاذ للعقل البشري وفضاء للإبداع والاكتشاف.
كما يمتد التزامنا بالثقافة إلى ما هو أبعد من المنطقة الثقافية في السعديات. فمتحف العين يرويقصة منطقة العين في أبوظبي وأقدم استيطان أُقيم على هذه الأرض. وفي عام 2025، أعيدافتتاحه بعد عملية تطوير وتوسيع شاملة، لتُضفي لمسة عصرية على أول متحف في دولةالإمارات العربية المتحدة، الذي أسّسه المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان عام 1969.
وبالمثل، أصبح قصر الحصن، الحصن التاريخي الذي يضم أقدم مبنىحجري قائم في جزيرة أبوظبي، اليوم متحفاً يعرض شواهد رئيسية على تحوّل المدينة منمستوطنة للغوص وصيد اللؤلؤ إلى عاصمة عالمية. وفي مكان قريب، تأسس المجمّع الثقافيعام 1981 كأول مركز ثقافي مجتمعي في الدولة، ولا يزال حتى اليوم مؤسسةً مرموقةً تُتيحالفرصة للفنانين والمواهب الإبداعية الإماراتية للتألق والازدهار.
إن أثر هذا الاستثمار الثقافي المتواصل، يمتد إلى أبعد من الحدود المباشرة. فبوضع الثقافة فيصميم رؤيتنا، نقود مسار تنويع اقتصادي ذي قيمة حقيقية، ونعزز نظاماً إبداعياً نابضاً بالحياة،ونمكّن مجتمعاتنا. كما يوفّر هذا الالتزام مسارات مهنية واسعة لأبناء مجتمعنا، كقيّمين فنيين، ومرشدين سياحيين، وباحثين، وفنانين، وغيرهم، ويضمن أن طموحاتنا الثقافية تُشكّل أساساً مستقراً ومزدهراً للمستقبل.
وتشكّل هذه المؤسسات فضاءات حيوية يُترجَم فيها الإبداع الثقافي إلى معرفة حية، ويُشعلالفضول عبر الأجيال. فمن خلال توفير منصات للتعبير والحوار، نغرس شعوراً بالفخربهويتنا، وننقل تقاليدنا إلى الأجيال القادمة، ونعزز التماسك الاجتماعي، ونعمّق إحساسناالمشترك بالغاية في عالم متشابك أكثر من أي وقت مضى. وعندما تتعرف أكثر من 200جنسية تقيم في أبوظبي على هذه القصص، تتحوّل الفضاءات الثقافية إلى نقاط التقاء يشاركفيها الزوّار تجاربهم وتاريخهم ويكتشفون القواسم المشتركة بينهم. وفي الوقت نفسه، يكتسبالزوّار الدوليون فهماً عميقاً لهويتنا وتاريخنا.
إن مهمتنا اليوم تقوم على مسؤولية الحفاظ على التراث. فنحن نضمن أن تظل قصص أمتنا،منذ العصور القديمة وحتى العصر الحديث، متاحة وذات صلة وملهمة. فالإرث الذي نبنيه اليوم يوفر أساساً متيناً يُمكن للأجيال القادمة البناء عليه ومواصلة تطويره.
لقد أثبتت أبوظبي أن الاستثمار في الثقافة يُعزز التماسك الاجتماعي ويدعم النمو الاقتصادي،مع الحفاظ على هويتنا الأصيلة والاحتفاء بها. ونحن ننظر إلى الثقافة كنظام بيئي حيوي يزداد قوةً كلما تلاقت الأفكار والأفراد ووجهات النظر المختلفة.
إن الالتزام المستمر بالثقافة يحوّل الطموح إلى إرثٍ خالد. قوموا بغرسه، ووفّروا له المساحة،ودعوه يلهم الأجيال القادمة. فالقيمة الحقيقية للاستثمار الثقافي تكمن في تراكم تأثيره التحويليعلى مر الزمن، مضيفاً طبقات جديدة إلى قصة تتعمّق باستمرار.
نبض