.اشترك في نشرتنا الإخبارية لتحصل على أهم و أبرز أخبار اليوم
شكرا على الاشتراك في نشرتنا الاخباريّة
خمسون عاما مضت على ذكرى الحرب اللبنانية التي غيّرت مصير لبنان واللبنانيين. حرب لا تزال ارتداداتها ظاهرة على كل خط من خطوط وجهي. كنتُ في قلب تلك الأحداث، شاهدةً خلال عقود على المعاناة والهلع، حين كانت القذائف تهز أرجاء الوطن.
كنت أحمل طموحاتي الصغيرة والكبيرة أمام الكاميرا، أحاكي جمهوراً عريضاً بابتسامة من يحلم بمستقبل في وطنه لا في متاهات الغربة. اليوم، وأنا أتأمل في المرآة، أرى وجهًا تغيّر مع الزمن وتعب من حمل ذاكرة الحرب. وجدت نفسي أسأل السنوات الخمسين التي مرّت ماذا لو لم تحدث تلك الحرب؟ هل كانت تغيّرت صورة وجهي مثلما تغيرت صورة لبنان؟
جاء الرد: من المؤكد أن لبنان كان يمكن أن يكون مغايراً لما أصبح عليه. كان يمكن أن يكون أكثر استقراراً، وأكثر ازدهاراً. لكن الحرب شكلت نقطة فاصلة في تاريخه. لو لم تحدث تلك الحرب، لربما كان وجهك اليوم يعكس نضجاً مختلفاً. ربما كنتِ قد تقدمتِ في عملكِ الإعلامي داخل لبنان. ربما كانت لحظات السعادة بسيطة، من دون أن تحمل عبء الماضي. كل لحظة من الألم، كل لحظة من القلق على الوطن، تركت بصمتها على وجهكِ كما التحولات التي طرأت على لبنان، من ذلك البلد الزاهي الذي كان قبل الحرب إلى بلدٍ طبعت آثار الحرب وجهه... ووجهك.
قلت: قبل خمسين عاماً، كان وجهي ينعكس في المرآة بطريقة مختلفة. كان الشباب في عينّي، وكانت هناك ابتسامة جميلة على شفتي. اليوم، حين أنظر في المرآة لا أرى فقط صورة امرأة، بل أرى وطنا أرهقته تجاعيد الزمن، وكأنها آثار الحرب، حتى لو لم أعشها جسدياً. الزمن، الحرب، والرحيل إلى الخارج، رسمتها السنوات على وجهي كما لو كانت خطوط التماس التي تحمل قصص أشخاص كثر مروا بآلام لا تُحصى. أنا اليوم لست فقط إعلامية، بل شاهدة على تاريخ أليم، حفر في قلوبنا هوة لا تُردم. أنا مواطنة خذلتها الحروب وفجرت في داخلها ينابيع من الدموع.
سألت السنوات الخمسين: كيف يمكن الحرب أن تستمر خمسين عاماً بأوجه مختلفة؟ أنتِ، أيتها السنوات، ألا تشعرين بأن الوقت قد حان لاستعادة لبنان وجهه المضيء؟ أجابت: الحرب لا تجلب أي انتصار دائم. يمكن أن تزرع في الأرض الفتن والدمار، ولكن فقط بالسلام والتفاهم يمكن بناء ما تم تدميره. أعتقد أن دروس الماضي مهمة، لكن الأهم هو القدرة على التأمل في المستقبل برؤية وطنية موحّدة.
صحيح أن في لبنان شيئا لا يموت، حتى مع كل الآلام التي عاشها. لا يزال لبنان يحمل في طياته قدرة سحرية على التجدد والتطور. أجيال وأجيال من اللبنانيات واللبنانيين تمرست في التغلب على الصراعات والتحديات وسارت بين الألغام ونجحت في رفد الوطن بنجاحات كبيرة ومراكز باهرة حفاظاً على صورة لبنان الحضاري والتاريخي.
ونحن نعيش الذكرى الخمسين لتلك الحرب، نجد أنفسنا نواجه عواقبها الثقيلة. نسأل أنفسنا كيف تطورت ذاكرتنا الجماعية؟ وهل نضجت منذ تلك الأيام المشؤومة التي غيّرت وجه لبنان؟ تبقى العبرة في القدرة على التعّلم من دروس الماضي والعمل على تحقيق السلام والاستقرار والمحافظة على فرادته ورسالته!
اليوم، بعد نصف قرن، ما زلت أشتاق إلى لبنان سويسرا الشرق. أشتاق إلى الزمن الجميل. ما زلت متمسكة بالحلم الذي سرقته مني الحرب وخطفته مني الغربة. ما زلت أحلم، في نهاية المطاف، بلحظة أعانق فيها السهل والبحر والجبال، وأعيش ما تبقى من رحلة العمر…في ظلال أرز الرب!